إذا سكت أهل الحق عن الباطل ظن أهل الباطل أنهم على حق
Nouveau : Messali Hadj ( 1898 - 1974 ) : De la naissance d'un leader nationaliste maghrebin par : El Hassar Bénali journaliste et auteur. Secrétaire général du premier colloque international sur Messali Hadj organisé en 2000 à Tlemcen... Lisez l'article en trois parties sur nos pages

الأحد، 31 يناير، 2016

قراءة في المشروع التمهيدي لمراجعة الدستور

بقلم الشيخ  الأستاذ عبد الله جاب الله 
article-title
author-pictureإن الإنسان هو المخلوق الوحيد المؤهل للاستخلاف فوق هذه الأرض، ولذا خلقه الله تعالى سليم الفطرة، وأرسل إليه الرسل عليهم السلام وأنزل عليهم الكتب، وكان أفضل الرسل محمد عليه الصلاة والسلام، وكان أعظم الكتب القرآن الكريم، ليقوى على القيام بأمانة الاستخلاف والتكليف، وبيّن له في ما جاء به الرسول عليه الصلاة والسلام منهج الإسلام في تزكية نفسه والارتقاء بملكاته الإنسانية العليا، وهي العقل والقلب والإرادة إلى أعلى درجات كمالها المقدور له، ومنهجه في إصلاح مجتمعه، والنهوض بأوضاعه المختلفة نهوضا إنسانيا راقيا، وبناء دولته البناء الجيّد والمتوازن الذي يجعلها وفية لشعبها وأمتها، وقادرة على الاضطلاع باختصاصاتها وسلطاتها اضطلاعا حسنا، فتنهض بالمهام الكبرى الثابتة بالنصوص القطعية، وتقوم بالوظائف التقليدية التي عادة ما تتحدث عنها الدساتير الحديثة، فمن تزكّى واتبع منهج الله تعالى رشد وهدي إلى التّي هي أقوم في كل مناحي الحياة بما فيها المناحي الدستورية والقانونية قال تعالى: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى)[طه: 123].
ومن أهمل نفسه فلم يزكّها ولم يتبع منهج الله تعالى غلبته شهواته وانتصر عليه هواه فشقي هو وأشقى معه من يستمع إليه وينقاد له في جوانب الحياة، ومنها الجوانب الدستورية والقانونية، قال تعالى: (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى) [طه: 124].
 والسلطة من أهم المسائل الدستورية، وهي عبارة عن الهيئة المنظمة التي تتولى نيابة عن الشعب وبرضاه حكمه ورعاية مصالحه وحفظ حقوقه وحرياته، وإدارة إقليمه وحمايته وتعميره، وتنظيم استغلال ثرواته، باحترام دستوره والتقيد بما حدده لها من مهام وصلاحيات، وأوجبه عليها من مبادئ وقواعد وحقوق وواجبات نحو الشعب والوطن، لذا كان وضع الدساتير ضرورة مقدمة وواجبًا أكبر مقدمًا على غيره من الواجبات.
 والدساتير عادة ما توضع بإحدى الطريقتين؛ الأولى: وتكون في النظم الاستبدادية سواء كانت ملكية أم جمهورية، يضعه الذي يرأس السلطة العليا في البلاد، فيأتي كمنحة منه للشعب يتنازل له فيها عن بعض سلطانه وجوانب من صلاحياته، وهذا النوع من الدساتير يكرس الاستبداد ويحميه، لأنه يصير مؤطرا به ومقننا، ثم تزيده القوانين ترسيما بما تقوم به من شرح وتفصيل.
والطريقة الثانية: هي أن يكون الدستور عقدا بين الشعب ومن يختارهم لحكمه، فصاحب السلطة الحقيقي هنا هو الشعب، وهو يتنازل طواعية عن جوانب كثيرة منها، ليعطيها للسلطات التي يقررها، ويحتفظ لنفسه بسلطات الرقابة والمحاسبة والعزل، ليمنع التغول عليه والإساءة إلى مصالحه والانقلاب على حقوقه، ولذا تجد هذا النوع من الدساتير أشمل وأوسع وأعمق، فتجد فيها مثلا ذكرا وافيا للمبادئ الناظمة للمجتمع والدولة، وللحقوق وضمانات حمايتها، وللواجبات وشروط آدائها، كما تجد توازنا في الصلاحيات بين السلطات الثلاث، وتعزيزا واضحا لمؤسسات الرقابة على أعمال السلطات، لذا تجدها غالبا ما تتمتع باستقرار طويل المدى.
أما الدساتير التي تأتي بالطريقة الأولى، فإنها تكون أكثر غموضا وأقل شمولا وأضيق اتساعا، وهذا النوع لا يصدر إلاّ من الفئات التي سيطر عليها الهوى وغلبتها الشهوات ولم يردعها وازع من الدين ولا خوف من الجماهير. 
وللدساتير في العالم كله شأن خاص ليس كغيرها من القوانين، فهي محكمة في القوانين العادية، فلا يصدر أي قانون مخالف للدستور، والدساتير إما أن تكون مكتوبة وإما أن تكون عرفية، والمكتوبة مقدمة على العرفية وتتميز بالتفصيل، ولذا وجب أن تكون في مأمن من خطر أهواء الحكام، واندفاعاتهم العاطفية والمصلحية، فلا تكون عرضة للتغيير المستمر والتبديل المتكرر، وهذا هو الحال في البلاد التي يحكمها قادة يخافون الله تعالى ويعرفون دينهم وحقوق أمتهم عليهم، أو قادة يؤمنون بأنّهم فروع تابعة لشعوبها وموضوعة لخدمتها.
 وأما في بلادنا المحكومة بقادة لا علم لهم بالدين ولا خوف عندهم من الله تعالى ولا من الجماهير، فإن الدستور يتغير كلما تغير الرئيس، ويتجدد كلما تجدد الرئيس، وتقدم الدساتير وكأنها منحة من الرئيس يتنازل فيها عن بعض سلطاته للأمة، فهم في نظر أنفسهم أصل وأمتهم فرع، ولذلك نجد أنها جميعا تشكو من أنواع شتى من الخلل، ولم يسلم مشروع التعديلات المقدمة من الرئيس الحالي من النقص والقصور والغموض، ومهما تعددت الدساتير في البلاد  فإنها ستظل قاصرة ومعيبة، لأن النخب النافذة في السلطة والملتفّة حول الرئيس ترى أن الدستور منّة من الرئيس ومكرمة يتفضل بها على الشعب، ولذلك فالدستور الجزائري بالتعديلات الجديدة في حاجة إلى مراجعة شاملة واسعة وعميقة لأنه لا يزال مليئا بكثير من أنواع الخلل منتشرة في الأبواب المختلفة، وأن ما أضيف من تعديلات على كثرتها من حيث العدد إلا أن معظمها تعديلات جزئية وبعضها أدمج في الدستور ومحلها القانون،  والبعض الآخر يكتنفها الغموض وفيها مساس بدين الأمة وأعرافها وتقاليدها، وقليل منها فيها بعض النفع ولا يخلو نفعها من دخن، ومثل هذه الملاحظات مرجعها إلى جملة من العوامل أذكرها في مقدمة هذه الدراسة النقدية.
أن السلطة الحالية سلطة غير شرعية، وهي مستفيدة جدا من الفراغات الموجودة لأنها تساعدها على إنفاذ رأيها وفعل ما تشاء تحت غطاء الدستور والقانون.
أن التعديل الدستوري الذي يجسد الوفاء للشهداء، ويحقق أمل الأمة في دستور يكرس أحقيتها الكاملة في السلطة، ويجعل منها مصدر الشرعية والمستفيد الأول والأكبر منه، ويجعل من الدستور أداتها في تحقيق سعادتها في بلادها، ويهيئ لها الشروط المعنوية والمادية للفوز بفلاح الآخرة، لا يكون إلاّ من طرف جميع الأمة وقواها الحية، وفي ظل حكم شرعي نال شرعيته منها عبر انتخابات قانونية حرة ونزيهة، تشرف عليها هيئة وطنية مستقلة صاحبة الحق الكامل في النظر في ملف الانتخابات كله، والإشراف عليها في جميع المراحل من مراجعة القوائم الانتخابية وحذف الأعداد الصورية، إلى دراسة ملفات الترشح والنظر في الجوانب المادية والإدارية والتنظيمية والإعلامية، مرورا بتنظيم الانتخابات ومراقبتها، وانتهاء بالفرز وإعلان النتائج.
أن السلطة الحالية لا تملك النية الصادقة في وضع دستور توافقي حقيقي، ولذلك لجأت إلى استشارة شاركت فيها أحزاب وجمعيات الولاء، وقاطعتها أحزاب المعارضة التي تؤمن بأن وضع دستور يقيم دولة 01 نوفمبر، ويحقق أمل الأمة في التأسيس لبناء دولة تجيد تجسيد البعد الديمقراطي والاجتماعي لها ضمن مبادئ الإسلام، لا يكون إلا بشورى حقيقية مع الشركاء السياسيين والفاعلين الرئيسيين من فئات الشعب المختلفة، تسهر عليها سلطة شرعية لا يتنازع الناس في شرعيتها ولا يطعنون في أهليتها، تؤمن إيمانا صادقا بأن الأمة هي مصدر السلطات، وصاحبة الحق في منح الشرعية لمن تراه أهلا للنيابة عنها في حفظ دينها ولغتها وسائر ثوابتها، وسياسة دنياها ورعاية مصالحها وحقوقها وتنمية وطنها بما جاء فيه من قواعد أساسية وأحكام كلية وقواعد ومقاصد عامة.
إنني ما كنت أنوي كتابة نقد للدستور والتعديلات المدخلة عليه، ولكن شعورنا بالمسؤولية الشرعية نحو الدين والأمة، وإلحاح بعض الإخوة علينا مشكورين ومأجورين، جعلنانبادر بكتابة هذا النقد، وقد اعتمدنا فيه على الإسلام، ثم الدساتير الحديثة وتجاربي مع هذا النظام، لأني أؤمن أن المنهج الإسلامي في النهوض بالإنسان والمجتمع والدولة هو أقوم المناهج، وأن ما جاء به من أحكام هي أقوم الأحكام وأنفعها وأقدرها على تحقيق مصالح الناس وتحسين أحوالهم ورعاية حقوقهم الدنيوية والأخروية، وقد أمروا بالسمع والطاعة لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم على قاعدة: " ما نهيتكم عنه فانتهوا وما أمرمتكم به فاتوا منه ما استطعتم "، لذا فإن معياري في دراسة هذا الدستور هو ما أفهمه من الإسلام، ثم ما اطلعت عليه من دساتير أخرى، وما عشته من تجارب مع هذا النظام الذي حكم البلاد منذ 1962، أصدر خلالها أربعة دساتير، وهذا الدستور الخامس لكثرة ما فيه من تعديلات.
وقد ازداد يقيننا بأن الابتعاد عن شرع الله تعالى لا يأتي للأمة إلاّ بالسوء والفتن وضنك الحياة، ولا يسوّد عليها إلاّ من لا يستحق السؤدد والسلطان، فتضيع الأمانات وتسوء أحوال الناس، وينتشر الفساد ويشقى الناس في حياتهم، وفي الحديث:" إذا وسّد الأمر إلى غير أهله فانتظر الساعة " .
 ولم نشأ في هذه القراءة الوقوف عند كل كبيرة وصغيرة دفعا للإطالة وتجنبا لما قد يقود إلى الملل أثناء القراءة، وإنما اقتصرنا على ما ظنناه مهما لا يقبل السكوت عنه، كما حاولنا أن نشير إلى ما يجب أن يكون في كل مسألة تناولناها حتى تكون الدراسة بناءة، ويعرف القارئ أننا لا نريد الهدم وإنما نسعى في البناء، وأن معارضتنا كإسلاميين هي معارضة المحب لدينه وشعبه ووطنه، وأننا والحمد لله نملك بعون الله تعالى وتوفيقه تصورا سليما وصحيحا، لما يجب اعتماده في بناء الدولة وإصلاح أحوال الأمة وتنمية الوطن لو وجد سبيله إلى الحكم والتطبيق.
أهم مظاهر الخلل الموجودة في الدستور والتعديل المقدم
لقد تعمدت السلطات الحاكمة في البلاد ترك الخلل؛ من غموض وأخطاء ونقص، وخروج عن الأصول الشرعية في السياسة والحكم أحيانا، وعن قواعد الديمقراطيات الحديثة -التي حققت لأصحابها نوعا من الاستقرار والتطور أحيانا أخرى-بغرض استغلالها في تكريس الاستبداد والاستغلال والعدوان على الحقوق والحريات، والنيل من ثوابت الأمة ومصالحها، وتسخير مؤسسات الدولة وإمكاناتها لخدمة ما يريده أصحاب القرار كلما أرادوا ذلك، ومن أمثلة هذا الخلل وهذه النقائص.
الديباجة: الديباجة في الدول التي تعتز بماضيها وتاريخها وتفي له، وتحترم شعبها وتسعى لحسن خدمته، عادة ما تتحدث عن الجوانب المضيئة في تاريخها السياسي والعسكري والثقافي، وتذكر بفخر دينها وما كان سببا في وحدتها وقوتها المعنوية، وسبيلا لقوتها المادية وتطورها الحضاري، وتشير إلى مكانتها التي احتلتها في محيطها الإقليمي ثم العالمي، وتشيد إجمالا بجهود أبنائها وما أسهموا به فيما تحقق للبشرية من تقدم وازدهار، وتعرج كما هو الحال في الجزائر على ذكر ثورتها الكبرى ودوافع قيامها، وما حققته للشعب من خير واستقلال، ثم ما تم إنجازه في بناء الدولة، وتبين الحاجة إلى وضع دستور يؤسس لمزيد من الإصلاحات التي تقوم حاجات الأمة في الوحدة والعزة والكرامة والتقدم والازدهار إليها، وتبيّن عمق الرغبة وشدة الحرص لانجاز ما وعد به بيان أول نوفمبر للأمة، وما تتوق إليه من شرعية وعدل للنظام، وتنمية للوطن، وتكافل بين أبناء الأمة، وخدمة للأمن والسلم في فضائها العربي والإسلامي وقارتها الإفريقية، ثم في العالم أجمع.
هذه على الجملة أهم المحاور التي عادة ما يرد ذكرها في ديباجة الدساتير، مع تقديم أو تأخير ومع زيادة لبعض الجوانب أو نقصان، وديباجة هذا الدستور لم تشر إلى معظم هذه الجوانب، ولذلك جاءت ناقصة وضعيفة لا ترقى لمستوى تاريخ هذا الشعب وما يتطلع إليه.
ومن أوجه الخلل الموجودة ما يأتي:
جاء في الفقرة الثالثة: ".. وبناة دول ديمقراطيةمزدهرة، طوال فترات المجد والسلام."، والسؤال متى بنيت في الجزائر دول ديمقراطية ؟ إن هذا تجني على الحقائق التاريخية لأن التاريخ يؤكد أن الجزائر لم تعرف دولا ديمقراطية، بل عرفت بعد الفتح الإسلامي دولا إسلامية مع تفاوت بينها في درجة الالتزام بالإسلام، وعرفت دولا استعمارية استبدادية طاغية، وتسعى اليوم لبناء نظام ديمقراطي ولكنها لم  تبنه بعد، وهذا أحد أهم نقاط الخلاف بين المعارضة والسلطة.
ربطت الجزائر بالحركة الوطنية وما حصل في الثورة التحريرية في الفقرات الرابعة والخامسة والسادسة، وكأن تاريخ الجزائر يبدأ بجبهة وجيش التحرير الوطني، والحقيقة التاريخية أقدم وأكبر من ذلك وأرسخ، وتاريخ بلد وشعب لا يربط بأحداث محددة مهما كانت أهميتها وقيمتها، ويتناسى الإشارة القوية للفترات السابقة، وأخشى أن يجر هذا الإجمال في الذكر في ديباجة جعلوها جزءًا من الدستور إلى إهمال تدريس تاريخ الجزائر وبخاصة بعد الفتح الإسلامي وترك الحديث عنه عامة في وسائل الإعلام، فينقطع حاضر الشعب ومستقبله بماضيه، وفي ذلك ما فيه من ضرر وفساد.
جاء في الفقرة الخامسة: ".. وقدم تضحيات جساما من أجل أن يتكفل بمصيره الجماعي في كنفالحرية والهوية الثقافية الوطنية المستعادتين،.."، والسؤال الذي يطرح نفسه ما هي الهوية الثقافية الوطنية ؟ ! هل هي الثقافة الإسلامية العربية الأمازيغية ؟ أم الثقافة الأمازيغية الفرنسية ؟ أم هي كل هذا مختلطا بعضه ببعض ؟، وهل يقبل الإسلام أن يكون مجرد مكون من مكونات الهوية الثقافية ؟ 
إن الإسلام لا يقبل أن يساوى بغيره لأنه دين الله تعالى المرتضى لعباده وهو أعظم نعم الله تعالى على عباده، وقد أنزله الله تعالى كاملا غير منقوص وجعله حاكما على غيره، فما أقره كان نافعا ومفيدا، وما رفضه كان ضارا ومفسدا.
وجاء في الفقرة السادسة: ".. وشيد دولة عصرية كاملة السيادة."، ما المقصود بكلمة عصرية ؟ وهل يدري واضعو هذه الجملة معناها ومدلولها ؟ ولماذا لم توضع كلمة "إسلامية" وفاء للدين والتاريخ والشهداء ؟
إن كلمة دولة عصرية من مصطلحات التيار العلماني – اللائكي – ويعنون بها دولة لائكية فهل يدري واضعو الدستور هذا أم لا؟ 
أن الديباجة أرست القطيعة مع دولة بيان أول نوفمبر، بنصها على ضمان الحرية لكل فرد في إطار دولة ديمقراطية وجمهورية، ومثل هذا الطرح يخدم التوجه العلماني للدولة وهو متعارض مع دولة بيان أول نوفمبر والتي هي "دولة جزائرية ديمقراطية واجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية".
أهملت بشكل كامل الدور الكبير للجزائر وأثرها العظيم في ميادين العلم والمعرفة، وساحات الجهاد والتضحية، باستثناء الإشارة إلى ثورة التحرير الكبرى، وهي ثورة حديثة سبقتها ثورات كثيرة كبيرة وعظيمة.
لم تبرز بالشكل المناسب دور الإسلام في تكوين الأمة وبناء شخصيتها والمحافظة على وحدتها، وتقوية همم أبنائها في التصدي لمحاولات الاستعمار في مراحل التاريخ المختلفة.
أقحم موضوع المصالحة الوطنية وهي حادث عابر في تاريخ البلاد، جاء لمحاولة معالجة أزمة تسبب فيها توقيف المسار الانتخابي وسياسة الكل الأمني التي اعتمدتها السلطة، وهذه إشارة لا لزوم لها في الدستور لأنها أولا عابرة، وثانيا غير منصفة، فقد انحازت للطرف الذي أوقف المسار الانتخابي، وزجّ بالبلاد في أتون الفتنة باسم المحافظة على هيبة الدولة، وحملت الضحية مسؤولية ما حصل، وهذا منطق باطل يتعارض مع قواعد العدالة والشرعية القانونية. وثالثا لم يكن قانون المصالحة الوطنية شاملا لجميع جوانب الأزمة، وإنما عالجها معالجة اجتماعية جزئية تحت سقف الغالب والمغلوب، فكانت لذلك محل نقد كبير من نخب كثيرة وفئات واسعة من الشعب. لكل هذه العوامل لا يقبل أن ينص عليها في الدستور، لأنه لا يجوز أن يشتمل على مسائل تكرس الفرقة وترسّم الظلم وتغذي الخلاف. 
جانبت الديباجة الباعث الحقيقي في نضال الشعب الجزائري لما حصرته في نقطتين وهما: الحرية والديمقراطية – كما جاء في الفقرة العاشرة -، في حين أشار بيان أول نوفمبر إلى أن الهدف الأول هو إقامة دولة جزائرية ديمقراطية واجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية.
أضعفت الديباجة الإشارة إلى الفضاء الحقيقي الذي تنتمي إليه الجزائر منذ الفتح الإسلامي لما أشارت كذلك إلى الفضاء المتوسطي، وهذه خطوة قد تكون بالغة الخطورة لأنها تساعد أصحاب نزعة الارتباط بالفضاء المتوسطي، بالعمل المتدرج على سلخ الجزائر عن فضائها الديني والحضاري والتاريخي، وربطها بفضاء الدول الغربية في الضفة الشمالية للمتوسط، وهي نزعة طالما ادعاها الغربيون وبعض المثقفين الجزائريين.
إن كاتبي الديباجة ليسوا من الأمناء الأوفياء لدين شعبهم وتاريخه ونضالاته التي خلّد الله تعالى بها ذكره، وإنما هم فيما يبدو من المتشبعين بالثقافة الغربية عامة والفرنسية خاصة، الذين يتبعون خطى الاندماجيين القدامى، ولكن بمكر أكبر وتدبير أخطر ونفس أطول، وقد وضعوا ما وضعوا في الديباجة مما سبقت الإشارة إليه إجمالا ليعطوا لمن على شاكلتهم في الدولة ممن سيكونون في السلطة، السند الدستوري لتغريب ما شاؤوا من البرامج والسياسات والمنظومات القانونية، ولذلك يجب العدول عن السم المدسوس في هذه الديباجة القاطعة لأصل الجزائريين ورحمهم الشرعية والتاريخية. 
الباب الأول: المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري 
إن الباب الأول في الدساتير عادة ما يتناول المبادئ الموجهة والمنظمة للمجتمع والدولة، فمن خلاله يعرف المواطن طبيعة دولته وطبيعة نظام حكمها، ويعرف دينها ومرجعيتها في التشريع والتقنين والتنفيذ، ولغتها في الخطاب والعلم والعمل، ويعرف طبيعة مسؤولية الدولة نحو الدين واللغة والوحدة والوطن والقيم العليا وقواعد العدالة، ومسؤوليتها نحو مصالح الأمة وحقوقها وحرياتها، ويعرف المبادئ العامة في السياسة والاقتصاد وسائر مجالات الحياة، التي تتبع في الاجتهادات التشريعية المختلفة، ويعرف مبادئ العمل، مثل مصدر السلطات، وأدوات ممارسة الشعب لسلطاته، وغايات مؤسسات الدولة، وما لا يجوز للمؤسسات فعله، ويعرف أساس مشروعية الدولة، ومجال سيادتها، والجماعات الإقليمية، وأطر تعبير الشعب عن إرادته، والملكية العامة، والتجارة الخارجية، ومسؤولية الدولة عن الأشخاص والممتلكات، ومسؤولية الدفاع، وهذه قضايا بالغة القيمة والأهمية.
والدستور بالتعديلات الجديدة أهمل كثيرا من هذه المبادئ والموجهات، ومن ذلك: 
عدم تحديد المرجعية والمبادئ الموجهة والمنظمة للمجتمع والدولة، والاقتصار على ذكر أن الإسلام دين الدولة، مع إفراغ الدستور من محتويات هذه المادة ودلالاتها في بقية المواد، فأضحى النصّ مجرد تحية باردة للشعب، لا أثر له في ترشيد عمل السلطة والمعارضة، ولا دور له في توفير عوامل الأمن والاستقرار، وشروط النجاح في تحقيق أهداف إصلاح المجتمع وبناء الوطن.
إن هذا الإهمال للمرجعية وإفراغ الدستور من محتويات مادة الإسلام دين الدولة، فيه ظلم لله تعالى لأنه اعتداء على حق الله تعالى في التشريع، وفيه ظلم لأنفسهم لأنهم أوقعوها في كبيرة الكبائر، استعلاء وتجبرا وجهالة على الخالق سبحانه وتعالى، وفيه ظلم للشعب لأنهم عبّدوا الشعب لآرائهم وأهوائهم وحرموه من فضائل الشريعة في إشاعة العدل والخير والصلاح..الخ
عدم تحديد طبيعة مسؤولية الدولة ووظيفتها ومهامها وطبيعة نظام الحكم فيها، قاد – ويقود - إلى تفريط الدولة في واجباتها نحو الأمة ونحو قيمها الأخلاقية والحضارية، وأعان (ويستمر) على شيوع صور من الاستبداد والفساد والعنصرية عمقت الفرقة داخل المجتمع، وصنعت عوازل كبيرة بين مكونات الأمة من العرب والأمازيغ، وأوجدت داخل الأمة تيارات فكرية شديدة التنافر والتضاد، وحرم الشعب وقواه المعارضة من معايير وأسس مساءلة النظام ومحاسبته على أخطائه وتجاوزاته لمسؤولياته أو تقصيره فيها.
إهمال الحديث الواضح والدقيق عن أدوات ممارسة الشعب لسلطاته، وغايات مؤسسات الدولة وما لا يجوز لها فعله، ففتح ولا يزال أمام النافذين في السلطة الباب لفعل ما بدا لهم، وأضعف (ويواصل) دور المعارضة في التأسيس القانوني لكثير من مواقفها الرافضة لسياسات السلطة وممارساتها.
أضاف مسألة اللغة الامازيغية وأهمل الإشارة إلى الحرف الذي تكتب به، هل هو الحرف العربي أم الحرف اللاتيني؟ وهذا الإهمال مقصود ومن شأنه أن يخدم دعاة كتابتها بالحرف اللاتيني، وإذا حصل هذا فهو أمر بالغ الخطورة على اللغة العربية، وسيكون التمكين عمليا للغة الفرنسية، وتكون الأمازيغية مجرد أداة تزيد من خدمة اللغة الفرنسية، ومثل هذا إخلال كبير بثاني أهم مبدأ عام يحكم المجتمع الجزائري، يقتضي استفتاء الشعب عليه، فلا أحد من ذوي العلم والإنصاف مثل الشيخ البشير الإبراهيمي رحمه الله إلاّ ويقر بدور اللغة في تقارب التفكير وتشابه العقليات، وتمازج الأذواق وتوحيد المشارب وتعميق وشائج ذوي القربى والأرحام، ولا نريد أن تكون الأمازيغية خادمة للفرنسية لأننا نحب الأمازيغ، وبين العرب وبينهم صلات أرحام متينة، وتاريخ مشترك طويل من التجارب والتعاون على خدمة خير الجميع ودفع الشر عنهم، ونحب أن يستمر ذلك ويتقوى، ولا سبيل إليه إلا بالإسلام والعربية وكتابة الأمازيغية بالحرف العربي كما كتبها علماء المنطقة عبر قرون طويلة من الزمن.
جاء في المادة 6: " إن الشعب مصدر كل سلطة "، وهذا لا يكفي لأنه يستغل استغلالات مضرة بالشعب نفسه كما حصل مرارا، ولذلك لابد من إضافة:" فهو صاحب الحق في اختيار الحكام ومراقبتهم ومحاسبتهم وعزلهم، ويحدد القانون كيفية ممارسة ذلك".
يوجد نقص في المادة 9 التي تحدثت عما لا يجوز لمؤسسات الدولة أن تقوم به، وهذا النقص يتمثل في عدم النص على ما يأتي: 
السلوك المخالف لأحكام الإسلام.
مجاوزة حدود اختصاصاتها ومسؤولياتها الدستورية والقانونية.
العدوان على موارد الدولة والمال العام سواء بالنهب أو التفريط أو سوء التصرف.
استغلال النفوذ للإثراء أو قضاء المصالح أو إلحاق الأذى بالآخرين.
جاء في المادة 11: تستمد الدولة مشروعيتها وسبب وجودها من إرادة الشعب.
شعارها: " بالشعب وللشعب "، وهذا لا يكفي لأنه شعار لطالما حمل وذكر دون أن يكون له أثر واضح ومفيد في الحياة السياسية وشرعية السلطة، ولذلك لابد من نص أوضح وهو: تستمد الدولة مشروعيتها وسبب وجودها من إرادة الشعب عبر الانتخابات القانونية الحرة والنزيهة ".
جاء في المادة 14: " تقوم الدولة على مبادئ التنظيم الديمقراطي والفصل بين السلطاتوالعدالة الاجتماعية."، وفي هذا إعلان صريح وقطيعة واضحة مع بيان أول نوفمبر الذي تحدث عن أن الدولة تقوم على المبادئ الإسلامية، لما قال مبينا الهدف من الثورة: " إقامة دولة جزائرية ديمقراطية واجتماعية ذات سيادة ضمن إطار المبادئ الإسلامية "، والمبادئ الديمقراطية منها ما لا يتعارض مع مبادئ الإسلام مثل الفصل بين السلطات، ومنها ما هو نقيض المبادئ الإسلامية مثل مبدأ فصل الدين عن السياسة وحصره في العبادات. 
الحقوق والحريات  
إن الحقوق والحريات في الفقه الوضعي تأتي لتقيّد الحاكم، لأن البيئة التي نشأ فيها عرفت الحكم المطلق الذي ثارت عليه شعوبهم، لتقيده بانتزاع حقوقها وحرياتها، ولا يزال الأمر ساريا لحد الساعة، لذلك تشتهر عندهم مقولة "إن الحقوق تؤخذ ولا تعطى"، عبر نضال الشعب من خلال تنظيماته المختلفة من أحزاب ونقابات وجمعيات، فإذا قوي الضغط استجابت السلطات.
 أما في التشريع الإسلامي فإن السلطة المطلقة أو الحكم المطلق غائب، لأن التشريع في الإسلام لله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم، والحكام لا يشاركون في الاجتهاد التشريعي إلا إذا كانوا علماء مجتهدين، والمجتهدون لا يمارسون السلطة في عملهم التشريعي وإنما يؤدون واجبا ضمن الحدود التي رسمها لهم التشريع، وسلطة الحكام مقيدة بالتشريع الإسلامي نفسه، وما لهم من حقوق وما عليهم من واجبات إنما حددها لهم التشريع الإسلامي نفسه، كما أن ما للأفراد من حقوق وما عليهم من واجبات إنما حددها لهم التشريع نفسه، ولذلك كان منشئ الحقوق والحريات، ومنشئ الواجبات بالنسبة للجميع حكاما ومحكومين إنما هو التشريع الإسلامي نفسه بما فرضه من تكاليف على عاتق الحكام والمحكومين، وعليه فإن دوافع ممارسة الحقوق والحريات هو شرع الله تعالى، وليست دوافع الغريزة والهوى والأثرة والتقليد، والتبعية لهذا المجتمع أو ذاك، أو لهذا النموذج أو ذاك، كما تفعل النخب العلمانية في تقليدها للغرب عامة وفرنسا خاصة، دون أن تكون لها الاستعدادات الفكرية والنفسية لبسط الحقوق والحريات للمواطنين وحمايتها من التعسفات والتجاوزات، ودون أن يكون هناك رأي عام واعٍ ومنظم، فجاءت ناقصة في الدساتير السابقة، ولا يزال النقص يطبع التعديلات الجديدة على ما أدخلته من تحسينات في باب الحقوق والحريات على دستور 1996.
والحقوق والحريات العامة بمفهومها السياسي والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي والإعلامي والإنساني العام أنواع ودرجات متفاوتة، فبعضها ضروري وبعضها حاجي وبعضها تحسيني؛ بحسب تفاوت الحاجة إليها، ودرجة ارتباط كل واحدة منها بمصالح الناس الدينية والدنيوية،  وتوفيرها كاملة غير منقوصة مع تحديد ضمانات حمايتها من كل تعسف أو تجاوز، هو الذي يحدد طبيعة الحكم ومدى عدالته، فإما أن يكون حكما مطلقا فاقد العدالة، وإما أن يكون حكما مقيدا بعدالة ناقصة، وإما أن يكون حكما إسلاميا صحيحا قائما عندئذ على العدل والإحسان وعلى القوة والرحمة، والناس جميعا حكاما ومحكومين سواسية أمام الشريعة يلتزمون بها، فهو لذلك حكم مقيد بالشريعة وشورى الأمة وفيه عدالة حقيقية ينهض بها التشريع الإسلامي، وتنفذها النخب العالمة الجامعة لشروط الاستقامة ورشد العقل، وترعاها فئات الأمة المختلفة اعتمادا على قواعد الشورى والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والنصيحة.
إن القارئ للدستور والتعديلات المدخلة عليه يجد أنَّ الحكمَ السياسيَ المثبت في هذه التعديلات حكمٌ مطلقٌ، وأن الحقوق المبسوطة محدودة وتشكو من النقص والخلل، ومن ذلك: 
المساواة أمام مؤسسات الدولة، ولا سيما إقرار مبدأ حق أي شخص في اللجوء إلى المحاكم ذات الاختصاص لرد أي مظلمة أو تقرير أي حق دون تمييز.
واجب الدولة نحو المفرج عنهم، لا سيما ما يتعلق بالحق في أن يبلغ الشخص الذي تقيد حريته بأسباب ذلك كتابة خلال يوم من تقييد حريته.
حق من تقيد حريته في التظلم أمام القضاء من ذلك الإجراء، ويتم الفصل خلال أسبوع وإلا وجب الإفراج عنه.
عدم تعرض الشخص الذي يقبض عليه أو يحبس أو تقيد حريته بأي قيد إلى الإغراء أو التخويف أو التعذيب، أو ما ينال من كرامته الإنسانية بدنيًّا أو معنويًّا، وأي مخالفة تعتبر جريمة يعاقب عليها القانون.
ما يصدر عن المتهم تحت وطأة التهديد أو الإغراء أو التعذيب يهدر ولا يعول عليه.
حرمة التدين والمقدسات بحيث يمنع ترويج أي مادة تخالف مبادئ الإسلام وأحكامه القطعية، أو تحط من قدر الأنبياء والرسل عليهم السلام، أو تهين المقدسات أو تقوض النظام الدستوري.
الحق في المعلومات وحرية النشر، فتكفل الدولة لكل مواطن حقه في الحصول على المعلومات والبيانات والإحصاءات والوثائق والإفصاح عنها وتداولها، بما لا ينال من حرمة الحياة الخاصة وحقوق الآخرين، ولا يتعارض مع الأمن القومي.
ويكون من حق أي شخص طبيعيّ أو معنويّ إصدار الصحف وتملكها بمجرد الإخطار.
الحق في الاجتماع بمجرد الإخطار، فيكون من حق المواطنين تنظيم الاجتماعات العامة والتظاهرات السلمية غير المسلحة بمجرد الإخطار.
الحق في تأسيس الأحزاب والجمعيات والمنظمات بمجرد الإخطار، وتمارس نشاطها بحرية وتكون لها الشخصية الاعتبارية، ويمنع على السلطات حلها أو حل هيئاتها الإدارية، أو التدخل في شؤونها الداخلية إلا بحكم قضائي مسبب.
حق مخاطبة السلطات العمومية، فيكون لكل مواطن أو مقيم حق مخاطبة السلطات العمومية كتابة بتوقيعه، ولا تخاطب باسم الجمعيات إلا من طرف الشخصيات الاعتبارية.
ضمان نزاهة الانتخابات، بحيث تكفل قانونية الانتخابات والاستفتاءات وسلامتها وحياديتها وحريتها ونزاهتها، وتمنع تدخل أجهزتها ومؤسساتها الإدارية والقضائية والإعلامية، في توجيه المواطنين، أو التأثير على إرادتهم وتزويرها، وتعاقب كل مخالفة لذلك.
واجب الدولة في مساعدة الجزائريين المقيمين في الخارج على أداء واجباتهم نحوها ونحو المجتمع الجزائري، وتشجع إسهامهم في التنمية الوطنية.
كفالة الدولة حرية البحث العلمي ودعمه وتشجيع من يقوم به، فتشجع الجهود التي تبذل في ذلك سواء كانت جهود مؤسسات رسمية أو مجموعات منظمة أو أفراد، وتحافظ على استقلاليته، وتسهر على دعمه ماديا وأدبيا، وترصد لذلك ميزانية كافية من الناتج القومي.
حرص الدولة على فرض العمل باللغة العربية على مؤسسات الدولة المختلفة في الداخل والخارج، وأمام المنظمات الدولية، وتعميم التدريس بها والعناية بترقيتها.
حرص الدولة على إلزامية تدريس التربية الإسلامية، والتاريخ الوطنيّ، كمواد أساسية في مراحل التعليم ما قبل الجامعيّ بكل أنواعه، وتلزم الجامعات بتدريس القيم الأخلاقية في التخصصات المختلفة.
الحق في الرعاية الصحية والتأمين الصحي، بحيث يستفيد منها سائر المواطنين، وتسهر على تطوير المنشآت والآلات والخدمات، وتراقب جودتها وجميع المواد والمنتجات ووسائل الدعاية المتصلة بالصحة، وتتخذ كافة التدابير التي تحقق الرقابة الصحية، سواء على المؤسسات الصحية العامة أو الخاصة، وتعنى بالطواقم الطبية في الأجور والخدمات اللازمة والمناسبة لعملهم وجهدهم.
الحق في العمل بحيث تضع قوانين عادلة في الأجور والإجازات والتقاعد والتأمين الاجتماعي، والرعاية الصحية، والحماية ضد مخاطر العمل، وتوفير شروط السلامة المهنية في أماكن العمل المختلفة العامة والخاصة.
حقالفئات العاجزة والمحرومة وذوي الدخل البسيط، من صغار الفلاحين والعمال والمزارعين والعمال غير المنتظمين، وكل من لا يتمتع بنظام التامين الاجتماعي في الحصول على معاش مناسب.
الحق في الرياضة فيكون التشجيع لها، مع احترام قيم المجتمع الروحية والأخلاقية وتجتهد في البحث عن الموهوبين رياضيا والعناية بهم تربية وتوجيها وتدعيما إلخ..
حماية البيئة ومنع تلوثها، والعمل على تطوير وتعميم معامل أو مخابر مراقبة المياه والأطعمة، وإنشاء وحدات المحافظة على صحة البيئة وتدعيمها بكل اللوازم المادية والبشرية، وتشجيع استخدام الموارد الطبيعية بما يكفل عدم الإضرار بالبيئة ويحافظ على حقوق الأجيال فيها.
مسؤولية الدولة نحو الأسرة والأمومة والطفولة، فزيادة على التكفل بالحقوق المعروفة في الاسم والتغذية والمأوى والخدمات الصحية، والتربية الدينية والمعرفية، ورعاية مجهولي وفاقدي الأبوين تعليما وتربية وتكوينا وتغذية، والتكفل بالأطفال المعاقين وتأهيلهم وتيسير اندماجهم في المجتمع، علاوة على كل ذلك تسهر على توفير الظروف الملائمة لتنمية قدرات الأطفال النوابغ، وتمنع كل صور استغلال الأطفال، أو تشغيلهم قبل تجاوز سن الالتزام التعليميّ في أعمال لا تناسب أعمارهم أو تمنع استمرارهم في الدراسة..إلخ..
الأصل أن تلتزم الدولة برعاية الشباب، وتأهيلهم وتنميتهم روحيّا وأخلاقيّا وثقافيّا وعلميّا وبدنيّا ونفسيّا واجتماعيّا واقتصاديّا، وتمكنهم من المشاركة السياسية الفاعلة، وتبحث عن النوابغ وتفردهم بالاهتمام الخاص تربية وتكوينا وتكليفا.
حماية الملكية الخاصة، ولا يتم نزعها إلا في إطار القانون، وبتعويض قبلي عادل ومنصف.
حماية الوقف وأملاك الجمعيات الخيرية، ومنع كل صور العدوان عليها.
ترعى الدولة الحقوق والواجبات باحترام الشريعة ومبادئها الكلية، التي تعتمد مبدأ العدالة لا مطلق المساواة.
حياة المواطنين مصانة، ولها حرمة يمنع انتهاكها أو التعدي عليها، فلا يجوز مصادرة المراسلات البريدية والبرقية والالكترونية والمحادثات الهاتفية وغيرها من وسائل الاتصال، ولا مراقبتها ولا الاطلاع عليها ولا التصنت عليها، إلا في الأحوال التي بينها القانون بأمر قضائي مسبب.
جاء في المادة 54 مكرر " تشجع الدولة على إنجاز المساكن. تعمل الدولة على تسهيل حصول الفئات المحرومة على سكن"، وهذا لا يكفي بل لابد أيضا من النص على أن السكن حرمة، وما عدا حالات الخطر والاستغاثة فلا يجوز دخولها ولا تفتيشها ولا مراقبتها إلا في الأحوال التي يحددها القانون وبأمر قضائي مسبب، يحدد العنوان والتوقيت والغرض بدقة، وبعد تنبيه أصحاب المنزل ومن فيه.
الحياة الآمنة حق تكفله الدولة لكل المواطنين وجميع المقيمين على إقليمها، ويحمي القانون ذواتهم وأعراضهم وممتلكاتهم من كل أنواع الجريمة.
يحظر الاتجار بأعضاء الإنسان، ويمنع إجراء التجارب الطبية أو العلمية بغير رضاه الحر والموثق وباحترام الشروط المستقرة في العلوم الطبية ووفق ما ينص عليه القانون.
وما جاء في تعديل المادة 31 والتي تنص على: " تعمل الدولة على ترقية التناصف بين الرجال والنساء في سوق التشغيل." فإنه لا لزوم له بهذا التخصيص لأنه من شأنه أن يفتح باب الظلم والفساد والرداءة، وإنما الواجب هو النص على شروط التوظيف وتولي المسؤوليات وإسناد المهام مع حماية ذلك ومعاقبة من يتجاوزه أو يخل به.
وأما ما جاء من تعديل في المادة 36 والتي تنص: "حرية ممارسة العبادة مضمونة في ظل احترام القانون"، فالأحرى أن يضاف إلى ذلك ما يمنع ترويج أي مادة تخالف مبادئ الإسلام وأحكامه القطعية، أو تحط من قدر الأنبياء والرسل عليهم السلام أو تهين المقدسات، أو تقوض النظام الدستوري.
وأما ما جاء في المادة 51 التي تشترط التمتع بالجنسية الجزائرية دون سواها شرطا لتولي المسؤوليات العليا في الدولة والوظائف السياسية، ففيها تعميم يتسبب في ظلم فئات كثيرة، والواجب هو تقييدها ببعض المسؤوليات، والتشدد في الشروط الموضوعية مثل الإسلام والعلم والخبرة والاستقامة والرشد العقلي.
الضمانات: إن الضمانات هي من أهم ما يجب العناية به حماية للحريات وصونا للشرعية ومنعا للاستبداد والتعسف، إلا أن واضعي الدستور ومحرري التعديلات تعمدوا إهمال الحديث عن كثير من الضمانات التي تحمي الحقوق والحريات من التعسفات والتجاوزات، مثل:
مبادئ سيادة القانون واستقلال القضاء وحصانة القضاة وحياد الإدارة.
حماية الحقوق والحريات وعدم التعسف بها.
 التعهد بالالتزام بمبدأ الفصل بين السلطات واحترامه.
 منع تغول السلطة التنفيذية على غيرها من السلطات، وذلك بإيجاد توازن حقيقي في الصلاحيات بين السلطات.
الالتزام بمبادئ العدالة القانونية، فتكون نافذة على جميع مواطني الدولة والمقيمين فيها، وعلى كل قرارات الأفراد والإدارات والمؤسسات.
احترام مبادئ رقابة القضاء، ومنع المحاكم الاستثنائية، فلا يحاكم أي شخص إلاّ أمام قاضيه الطبيعي.
التجريم والعقوبة: فتكون العقوبة شخصية ولا جريمة ولا عقوبة إلا بنص شرعي أو دستوري أو قانوني، ولا توقع العقوبة إلاّ بحكم قضائي، ولا عقاب إلا على الأفعال اللاحقة لتاريخ صدور القانون.
تجريم الامتناع عن تنفيذ العقوبة، فكل امتناع من الموظف المختص عن تنفيذ العقوبة جريمة يعاقب عليها القانون، وللمحكوم له في هذه الحالة حق رفع الدعوى على المحكمة المختصة.
 كل اعتداء على أي حق من الحقوق والحريات الفردية والجماعية المكفولة في الدستور، جريمة لا تسقط عنها الدعوى الجنائية ولا المدنية بالتقادم، وتكفل الدولة تعويضا عادلا للمعتدى عليه.
اعتبار العدوان على الحقوق والحريات جريمة، سواء كان صاحبها مواطنا أو مقيما، فلا يقبل تعطيلها ولا الانتقاص منها.
لا يجوز لأي قانون ينظم ممارسة الحقوق والحريات أن يقيدها بما يمس بأصلها وجوهرها، على أن تمارس بما لا يلحق ضررا بصاحبها أو بغيره أو بالنظام العام.
 عدم جواز تقييد الحقوق والحريات اللصيقة بالشخص.
وكل هذا الخلل لازَمَ الدساتير الجزائرية ومنها دستور 1996؛ ولم يتداركها مشروع التعديل الحالي رغم كثرة التنبيه وتكرار الاقتراح بضرورة تدارك هذا النقص، فنال بسبب ذلك ـ الحقوق والحريات ـ أشكالا مختلفة من التعسف والتجاوز ولا يزال.
الواجبات: إن الإنسان في التشريع الإسلامي هو إنسان التكليف والمسؤولية قبل أن يكون إنسان الحق والحرية، فالحكم الشرعي يوجب تكليفا ويقرر واجبا يقوم المكلف به بحسب طاقته ومركزه، حتى تبرأ ذمته وإلا لحقه الإثم وناله العقاب، والمسؤولية في الإسلام وبخاصة تلك المتعلقة بالشأن العام أمانة ثقيلة لا يتقدم لها إلا الأصلح من المسلمين وأقدرهم على أدائها، وهي مسؤولية مركبة تكون قِبل نفس القائم بها وتكون قِبل الغير، وقد يكون الغير فردا كما قد يكون جماعة أو أمة، ومسؤولية المسؤولين في الدولة أكبر من مسؤولية غيرهم، وأيا ما كانت المسؤولية فإنها تؤدى باتّباع شرع الله تعالى أولا، ثم باتّباع ما يأتي في الدستور والقوانين بشرط عدم تعارضها الصريح مع الشرع، ولذلك فأول واجب ملقى على عاتق الجميع وبخاصة المسؤولين الكبار هو واجب حفظ الدين والتمكين له وضبط الدنيا بأحكامه ومبادئه وقواعده ومقاصده.
 والواجبات مراتب ودرجات، فقد تكون فروضا واجبة الأداء وقد تكون مندوبات، وقد تكون محرمات واجبة الترك وقد تكون مكروهات، وقد تكون مباحات، وما يتضمنه الدستور مما لا يتعارض تعارضا صريحا مع شرع الله تعالى واجب الاحترام والالتزام والأداء، وكلما جَمُل أداء المسؤولين والسلطات المختلفة ثم بقية أفراد الشعب بحسب قدرات الأفراد ومسؤولياتهم كلما تحسن وضع الأمة وكثرت عوامل الصلاح فيها، وتوفرت لها شروط الأمن والاستقرار وتمهد الطريق أمام التقدم والازدهار، وكلما تأخر أداء الواجبات كلما تدهورت الأوضاع وسادت الفوضى والفتن والاضطرابات.
 ويؤسفني القول بأن الدستور ومشروع التعديل في فصل الواجبات أهمل الحديث عن:
واجب احترام الإسلام ومؤسسات الدولة، فعلى كل مواطن بغض النظر عن مركزه السياسي والاجتماعي واجب احترام الإسلام والدستور والقوانين، وتوقير المؤسسات الشرعية والطاعة لها بالمعروف.
واجب المحافظة على المال العام والممتلكات والمرافق العامة، ودرء الفساد والتخريب واحترام ممتلكات الغير.
 واجب النصيحة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بما هو معروف، واجب مقدس ملقى على كل مواطن يؤديه بشروطه وضوابطه الشرعية.
 واجب رعاية الحرمات والمصالح العامة والأخلاق، وحفظ البيئة الظاهرة.
واجب السعي في الكسب الحلال، والمشاركة في التنمية والنهضة العامة.
 واجب التعاون على البر والتقوى وعدم التعاون على الإثم والعدوان.
واجب احترام قيود ممارسة الحقوق والحريات، المكفولة في الدستور بما لا يلحق ضررا بالنفس أو الغير أو النظام العام.
واجب أداء زكاة الركاز، فعلى الشركات المستثمرة في الركاز واجب أداء زكاة الركاز التي هي حقوق ثابتة للمواطنين.
منع فرض الضرائب المجحفة والرسوم الجائرة، فلا يقبل من السلطة أن تفرض الضرائب المجحفة والرسوم الجائرة أو المرهقة التي تثقل كاهل المواطن وتصعب عليه المعيشة.
 توفير كل الشروط التي تساعد المواطن على أداء واجباته، وغيرها من الواجبات التي تحصّن الدولة والمجتمع من كثير من صور الفساد، وتقوي دور أهل العلم والصلاح في توعية الشعب وتحصينه من الفساد الذي يتهدده، وتقوي الإرادة الجماعية على خدمة المجتمع وتقوية الدولة
الباب الثاني: تنظيم السلطات 
يطلق اسم السلطة السياسية على الهيئة المنظمة التي تتولى سلطة حكم الشعب، ورعاية مصالحه وحفظ حقوقه وحرياته، وإدارة شؤون الإقليم وحمايته وتعميره وتنظيم استغلال ثرواته، والسلطة بهذا المعنى ركن أساس من أركان الدولة، لا يستغنى عنه ولا قيام للدولة إلاّ به، وإلا كانت الحياة فوضى وفتن واضطرابات، وتطلق بحسب الدساتير الحديثة على السلطات الثلاث التنفيذية والتشريعية والقضائية، وقد دلت نصوص الشرع وقواعد الديمقراطية على أن الشعب هو مصدر شرعية السلطة، فبه تكون السلطة وبرضاه يستمر نفوذها وتنجح سياساتها، ومن أجل خدمة مصالحه ورعاية حقوقه وحرياته تكون، ودلت التجارب على أن الأنظمة الاستبدادية هي أكثر الأنظمة فشلا في ذلك، وأن بلدانها هي أكثر البلدان اضطرابا وتخلفا.
والسلطة التنفيذية تتنوع بتنوع طبيعة نظام الحكم، وأكثر نظم الحكم تشددا هو النظام الرئاسي لما للسلطة التنفيذية من مركز قانوني متميز، ويمثل رئيس الجمهورية الدور المركزي في السلطة التنفيذية، فهو محور الارتكاز لأنه يجمع بين منصب رئيس الدولة ورئيس الحكومة، ويتمتع بجميع صلاحيات السلطة التنفيذية، وله أن يمارسها بنفسه أو عن طريق من يعينهم من الوزراء.
والقارئ للدستور مع التعديل الحالي يجد:
أن السلطة التنفيذية في النظام الرئاسي كثيرا ما تتغول على غيرها من السلطات وتحوّلها إلى وظائف تؤدي ما تطلبه منها السلطة التنفيذية لاسيما إذا أعطاها الدستور حق التشريع بالأوامر، وحق تعيين جزءٍ من أعضاء مجلس الأمة، وحق التعيين في الجهاز القضائي كما هو الحال في دستور الجزائر، هذه هي الملاحظة الأولى.
والثانية، أن واضعيه قد تعمدوا العدوان على أهم شيء يحمي الحريات، ويمنع الاستبداد، ويصون الشرعية، وهو مراعاة التوازن في الصلاحيات بين السلطات، فلا يخفى على قارئ الدستور خطورة الجريمة المرتكبة في حق الأمة بسبب مركزة الصلاحيات المختلفة في يد رئيس الجمهورية؛ فهو الرئيس الرسمي والفعلي للسلطة التنفيذية كلها، وهو الرئيس الفعلي وشبه الرسمي للسلطة التشريعية، فالتشريع لا يصدر إلاّ منه عن طريق الأمريات، أو برضاه فهو صاحب ثلث مجلس الأمة، والقانون لا يصدر إلاّ بموافقة ¾ من أعضاء مجلس الأمة، فإذا لم يوافق الرئيس عليه أوعز إلى ثلثه في المجلس برفضه فلا يصدر، وهو الرئيس الرسمي وشبه الفعلي للسلطة القضائية، فهو القاضي الأول ورئيس المجلس الأعلى للقضاء وينوبه في الحكومة وزير العدل، وبيده تعيين القضاة وتحويلهم وترقيتهم وإحالتهم على التأديب.
إن الدستور الجزائري لم يضع أي شرط من شروط العلم والكفاءة والخبرة والاستقامة والرشد العقلي لتولي المسؤوليات العامة في السلطة التنفيذية، ولا للفوز بعضوية البرلمان بغرفتيه، وهذا خلل كبير لا يقبل بقاؤه ولا السكوت عنه لأن الرئيس ثم من بعده النواب وسائر من يُختار لتولي مسؤولية عليا، إنما يختارون من أجل القيام بأكبر الأعمال وأضخم المهام، ويجب أن يكونوا أهلا لذلك، فالرئيس مثلا يتمّ اختياره من الشعب لينوب عنه في الاضطلاع بمسؤوليات كبيرة وثقيلة، هي مهامه ووظائفه وجماعها كما لخص ذلك فقهاء السياسة الشرعية هي: حماية الدين وسياسة دنيا الأمة ورعاية مصالحها وحفظ حقوقها وحرياتها به، أو هي بمصطلحات الدكتور السنهوري الاختصاصات، وهي الوظائف التي تثبت بنصوص قطعية في الدلالة، فهي بمثابة المهام الكبرى التي تحظى بالأولوية في اهتمامات السلطة، لأنها الضمانة الكبرى للاضطلاع الحسن بالنوع الثاني من الوظائف، التي أطلق عليها السنهوري اسم السلطات، وهي الوظائف التقليدية التي تضطلع بها الدول الحديثة، وتتعلق بتنظيم حياة الناس الدنيوية وتحقيق أهدافهم فيها؛ مثل الوظائف الإدارية والقضائية والاقتصادية والاجتماعية والتعليمية والإعلامية والأمنية والدفاعية والدبلوماسية، ولذلك وجب أن يكون أهلا لذلك وقت الانتخاب، وأن يؤدي بنفسه العمل الذي وكّل إليه.
الدستور منح الحصانة لأعضاء البرلمان وعلّق سحبها على شروط صعبة التحقيق، فعاث كثير من النواب في الأرض فسادا وهم بمأمن من المتابعة، وتنافس أصحاب المال في شراء مواقع الترشح على قوائم الأحزاب، ثم في شراء الأصوات من أجل الحصانة التي توفرها العضوية في البرلمان، وترك التفصيل في كثير من المهام إلى القانون والتنظيم، فوُضِعَت شروط عطلت المبادرة بالتشريع، إلى غير ذلك من الثغرات التي همشت دور البرلمان وقللت من فعاليته، ومست بمصداقيته لدى الأمة، ومما زاد الأمر سوءًا دأب السلطة على تزوير الانتخابات لصالح أهم أحزاب الموالاة فيأتي نواب إلى المجلس بلا ضمير ولا علم، وظيفتهم خدمة صاحب الفضل عليهم بتزكية ما يريد، فضاعت قيمة البرلمان، وضاعت معها مصالح الأمة.
إن الدستور ساري المفعول والتعديلات المقترحة لم يوجد في الحقيقة والواقع إلا سلطة واحدة، وهي سلطة رئيس الجمهورية، أما بقية السلطات فهي مجرد مؤسسات تؤدي وظائف يأمر بها رئيس الجمهورية أو من ينوبه، وبهذا الخلل الكبير أفرغوا أعظم مبدأ قانوني يقوم عليه النظام الديمقراطي؛ وهو مبدأ الفصل بين السلطات من محتواه، وقضوا على دوره في أن توقف كل سلطة السلطة الأخرى، وتمنعها من النزوع نحو الاستبداد والتعسف، فضاعت الشرعية، وضاعت قيمة الحريات السياسية وتمكن الاستبداد، فانتشرت بسبب ذلك أمراض البيروقراطية والرشوة، وتعطلت وظيفة المؤسسات التشريعية والقضائية في المحاسبة والرقابة، وفي حماية الحريات والحقوق، وصون الشرعية، وبسط الأمن، ومنع الاستغلال والفساد، واستمر هذا الخلل مع مشروع التعديل الحالي. 
اقتصر التعديل في قسم رئيس الجمهورية فيما تعلق بالإسلام على النص على: "أحترمُ الدين الإسلامي وأمجده"، ولم يعكس ذلك في شروط الترشح للمنصب ولا في مهام الرئيس على كثرتها.
جعل الرئيس فوق كل مساءلة أو متابعة، وأضاف له صلاحيات جديدة مثل تعيين الرئيس الأول للمحكمة العليا، وهذا أمر بالغ الخطورة وعظيم الضرر، وقد ذاقت الجزائر بسببه الكثير من الظلم، وانتشرت فيها أنواع من الفساد لم تكن معروفة من قبل، وما جاء في المادة 158 والمتعلقة بتأسيس محكمة عليا للدولة تختص بمحاكمة رئيس الجمهورية عن الأفعال التي يمكن وصفها بالخيانة العظمى لا يهدم ما قلته، لأن هذه المادة تستثني كل ما يمكن أن يرتكبه الرئيس من مظالم في حق المواطنين ويقع فيه من فساد مالي أو سلوكي، ولم تتحدث إلاّ عن الخيانة العظمى وكأن بقية الجرائم مباحة له.
حافظ التعديل على نفس المهام، وحافظ على نفس وضعية رئيس الوزراء باستثناء الإضافة المتعلقة باستشارة الأغلبية البرلمانية وهي استشارة غير ملزمة، وإعطائه حق توقيع المراسيم التنفيذية واجتماعات الحكومة. وبديهي أنه يفعل ذلك بعلم الرئيس وإذنه.
أطلق الدستور في تعديله يد رئيس الجمهورية في حلّ البرلمان حالة عدم موافقته على الحكومة، والأصل أن يقيّدها باستشارة الرؤساء الثلاثة وموافقة 2/3 أعضاء مجلس الأمة، فإذا لم يوافقوا ثبت المجلس الشعبي واستقال الرئيس.
كان الأجدر في حالة عدم موافقة المجلس على الحكومة مرتين، أن يعهد له اقتراح رئيس الوزراء على رئيس الجمهورية، فإن لم يوافق عليها للمرة الثالثة، يحق لرئيس الجمهورية حلّ المجلس.
أهمل التعديل الحديث عن استقالة الرئيس، وعن شروط ثبوت اتهامه في جناية أو خيانة عظمى أو فعل مخل بالشرف، ومن هم أصحاب الحق في اتهامه وآليات محاكمته؟
أهمل الحديث عن الجرائم التي قد يرتكبها في حق الدين مثل جريمة الردة عنالإسلام، وترك الحكم بما أنزل الله، وترك الصلاة والدعوة إليها، وجرائم الظلم والفسق والبدعة، ونقص التصرف، أم أن هذه عندهم لا تسمى جرائم؟ !
أهمل الحديث عما يجب فعله حالة حصول مانع مؤقت لرئيس الجمهورية يمنعه من مزاولة مهامه؟
أهمل الحديث عن كيفية ثبوت المانع في المادة 88 ومن هو صاحب الحق في التحرك لإثبات ذلك وكيف يتم ذلك؟ وهل إذا أصيب بمرض في حواسه وأعضائه كالشلل أو العمى يستمر في منصبه أم ماذا؟
أهمل الحديث عن حق المتضررين من أعمال الرئيس وقراراته في الطعن فيها، والجهات التي يتم الطعن أمامها؟
وكل هذا الخلل يؤكد العدوان على الإسلام وعلى أهم ما تقوم عليه النظم الديمقراطية وهو مبدأ الفصل بين السلطات مع مراعاة التوازن بين الصلاحيات.
السلطة التشريعية 
السلطة التشريعية في الدساتير الحديثة هي الهيئة التي يناط بها وضع القوانين في الدولة في حدود ما حدده الدستور من إطار عام لها، وهي مهمة يضطلع بها الشعب أو نوابه أو هما معا، وتتمثل النيابة الشعبية في هيئة منتخبة تسمى البرلمان وهو عندنا يتشكل من غرفتين؛ مجلس الأمة والمجلس الشعبي الوطني، وعلى هذا فمهامها عظيمة الشأن جليلة القدر فلا يلتحق بها في الأصل إلا ذووا العلم الواسع والاختصاص المتين والتجربة الكبيرة، ليستطيعوا القيام بواجبهم في ممارسة الاجتهاد التشريعي، وبسبب خطورة المهمة وعظم شأنها في تنظيم حياة الناس وضبط مواقفهم وعلاقاتهم أفرادا وجماعات ومؤسسات وسلطات، اختص الله تعالى نفسه بها وبعث نبيه عليه الصلاة والسلام برسالته إلى خلقه، وهي رسالة العقيدة والشريعة، وكلف أهل الاجتهاد والنظر من كبار العلماء الاجتهاد في وضع الأحكام ضمن الإطار العام الذي حددته الشريعة، وشرحه علماء الأصول ليكون اجتهادهم اجتهادا شرعيا ويكون امتدادا لما جاء به الكتاب والسنة، وعد من أعطى لنفسه حق التشريع ابتداءً واستغنى عن الشريعة، متبع للهوى وجار وراء الشهوات، ولذلك وجب على المسلمين أن يتعرفوا على شريعتهم ويجعلوها المصدر الأول والأعلى في التشريع، ومثل هذه الأمور للأسف غائبة تماما في دساتير الجزائر وقوانينها، ومنها التعديل الدستوري الجديد، ويعتبر هذا أكبر عيب وأخطره، ويضاف إليه  أنواع أخرى من الخلل منها:
عدم اشتراط أي شرط من شروط العلم أو الاختصاص أو الخبرة أو الاستقامة أو الرشد.
عدم ذكر أولوية مرجعية الشريعة في القوانين والأحكام والعلاقات والمواقف ضمن الإطار الدستوري الذي يراعيه واضعو القوانين.
عدم قصر التشريع على البرلمان، وإنما أشرك معه رئيس الجمهورية. 
الإضافة التي جاءت في التعديل وتتعلق بحقوق المعارضة كانت موجودة من قبل في القانون.
في موضوع الحصانة ترك الأمر لأعضاء المجلس (المواد 107-109-110-111) في حين الجرائم والأفعال المخلة بالشرف (كالزنى ) يجب أن يعامل فيها النائب كغيره من بقية المواطنين بعد إخطار مكتب المجلس الشعبي أو مكتب مجلس الأمة.
أبقى التعديل على حق رئيس الجمهورية التشريع بأوامر (م:124). والقول أنه قد قيدها بشرط أن يكون التشريع في المسائل العاجلة وفي حالة شغور المجلس الشعبي، أو خلال العطل البرلمانية بعد الأخذ برأي مجلس الأمة؛ قول لا قيمة له في الواقع العملي، لأن السؤال الذي يطرح نفسه ما هي المسائل العاجلة؟ فما قد يراه الرئيس مسائل عاجلة لا يراه آخرون، وأخذ رأي مجلس الأمة أمر شكلي، لأنه مجرد استشارة، ولأن الرئيس له ثلث أعضاء مجلس الأمة يعينهم كيفما شاء. 
وقد قاد مثل هذا الإجراء إلى تهميش دور المجلس الشعبي الوطني، ولذلك يحذف هذا الحق ويعوض بالحق في إصدار قرارات لها قوة القانون على أن تعرض على المجلس فور انعقاده، ليقرر بعد المناقشة بشأنها ما يراه، فإذا لم تعرض أو عرضت ورفضها يزول أثرها بأثر رجعي إلا إذا قرر المجلس نفاذها على الفترة السابقة.
العدد المطلوب في اقتراح القوانين كبير والأصل أن يخفض إلى نصفه.
العدد المطلوب لاقتراح التصويت على ملتمس الرقابة وهو 1/7 النواب كبير والأصل أن يخفض إلى عشرين نائبا. 
إهمال الحق في طلب فتح النقاش حول السياسة الخارجية والسياسة الأمنية والدفاع.
السلطة القضائية 
تعتبر السلطة القضائية إحدى الأعمدة الثلاثة التي يقوم عليها ركن السلطة، وقد حظيت في الفقه الدستوري بمكانة كبيرة، لما لها من دور خاص في تأمين احترام القانون، وضمان سلامة تطبيقه على الأفراد والمؤسسات والهيآت، وفرض احترامه على الجميع.
 وتستقل السلطة القضائية على السلطتين التنفيذية والتشريعية استقلالا كاملا، وقد حاولت كثير من الدول توفير ضمانات كبيرة تحمي بها استقلال السلطة القضائية، وتمنع التدخل في اختصاصاتها حتى يستطيع القضاة إصدار الأحكام اللازمة في كل ما يعرض عليهم من منازعات، تحقيقا للعدالة والمساواة بين جميع المواطنين على اختلاف أصنافهم ومسؤولياتهم ومراكزهم السياسية والاقتصادية والاجتماعية والاثنية والعسكرية.
وتجتهد الدول التي تحترم نفسها وتريد الخير لشعبها ومؤسساتها في الاختيار الحسن للقضاة، فلا يسند القضاء إلا لمن كان جامعا بين العلم الشرعي والاستقامة والرشد وسلامة الحواس، لأن القضاء من الولايات العامة التي لها عظيم الأثر على حياة الأمة والدولة.
 ولذا وجب أن توفر له كافة الشروط والضمانات التي تجعله مستقلا تماما عن تأثير السلطة التنفيذية والأمنية والعسكرية، وتجعل القضاة يشعرون بالحرية والقدرة على إصدار الحكم المناسب في كل ما يعرض عليهم النظر فيه، وهم آمنون على أنفسهم من أي ضرر يلحقهم في أجرتهم أو منصبهم أو مكان عملهم أو من له علاقة بهم، والدارس لما يسمى –زورا-بالسلطة القضائية في الدستور يجد أنها ليست سلطة وإنما هي مجرد وظيفة لما يأتي من الاعتبارات:  
أبقى القضاء تابعا لرئيس الجمهورية، وأعطاه صلاحيات تعيين القضاة وتحويلهم وترقيتهم وإحالتهم على التأديب.
أهمل الحديث عن التدخل في شؤون العدالة ومحاولات التأثير في الأحكام وما يجب فعله لمنع هذا المرض الخطير؟.
أهمل الحديث عن أصول الأحكام القضائية وماذا يجب على القاضي فعله إذا لم يجد نصا تشريعيا؟.
تحدث على أن أساس القضاء مبادئ الشرعية والمساواة، والسؤال ما هي مبادئ الشرعية التي يعنيها؟.
أهمل الحديث عن استقلال القضاة في عملهم، وما يكرس الاستقلالية ويحفظها من كل أشكال الضغط والإغراء؟.
أهمل الحديث عن الحالات التي تسقط فيها حصانة القضاة؟.
أهمل تحديد الشروط الموضوعية اللازمة لممارسة المحاماة بما يحقق قيم العدالة، ويحمي الحقوق الشرعية، ويدفع الظلم ويخدم الصلح بين الخصوم ويمنع الرشوة والبيروقراطية.
أهمل الحديث عن الأعضاء الفنيين بالشهر العقاري والأطباء الشرعيين، والخبراء القضائيين والمحضرين والموثقين، ومفتشي العمل ورقابة الجودة وقمع الغش، وأعوان الجمارك والضرائب ومفتشي أملاك الدولة والعمران، ومثل هذا الخلل يضر بالاستقلال الفني لهذه الأجهزة ويعين على استمرار الفساد المالي والبيروقراطي.
وبهذا الإهمال يكون القضاء في الدستور غير مستقل، وتكون الأحكام الصادرة عنه غير مستمدة من الشريعة، ولا يشترط في القضاة شرط العلم بالشريعة، ولا تشرط الاستقامة، فلا غرابة أن تنتشر فيه أمراض الرشوة والمحسوبية، وأن يتحول إلى أداة قهر وتعسف في يد السلطة التنفيذية.
الرقابة ومراقبة الانتخابات والمؤسسات الاستشارية 
إن الحكم مسؤولية كبيرة وأمانة ثقيلة، وإنها يوم القيامة خزي وندامة إلا من أخذها بحقها وأدى حق الله وحقوق العباد فيها، وليس هناك في الدنيا أعظم من الدين قدرا وأثرا، ولا أعظم بعد الدين من حقوق الناس ومصالحهم، والمسؤولية كثيرا ما تطغي أصحابها وتغريهم بالظلم والفساد، لذا صار لزاما على أن تحتاط الأمة لنفسها في الدستور الذي تضعه لحماية ثوابتها وتنظيم شؤونها وحفظ حقوقها وتحديد نظام حكمها وأنواع السلطات فيه، وغير ذلك مما تنص عليه الدساتير؛ أن تحدد بوضوح مؤسسات الرقابة على أعمال السلطة بما يمنع كل صور التعسف والظلم والفساد ويعين السلطات على الأداء الحسن لمهامها التي وجدت من أجلها، إلا أن الدستور والتعديل المقدم أهمل إهمالا كبيرا العناية بمؤسسات الرقابة ويتمثل ذلك في : 
ينص التعديل على أن المجلس الدستوري هيئة مستقلة في م/163 ثم يأتي في المادة 164 لينص على أن الرئيس يعين أربعة أعضاء من بينهم رئيس المجلس ونائبه، فأين هي الاستقلالية ورئيسه ونائبه معينان من رئيس الجمهورية؟.
المادة 164 مكرر: تمنح الحصانة لأعضاء المجالس حتى في المسائل الجزائية وهذا أمر يفتح الباب أمام الفساد، وهو في الوقت نفسه متعارض مع مبدأ المساواة أمام القانون، وهو من أخطر مظاهر ظلم النظام وفساده، وكان الأصل أن ينص على أنه في حالة ارتكاب عضو المجلس الدستوري لجريمة أو جنحة يحال رأسا على التحقيق، ويراسل المجلس للاطلاع واتخاذ إجراءات تجميد عضويته.
عدد أصحاب الحق في إخطار المجلس من النواب كثير، والأصل أن يكون العدد أقل من ذلك بكثير، لا يتجاوز العشرين نائبا مثلا.
إذا استثني الحق في الإخطار بالدفع بعدم الدستورية م /166 مكرر فما جدوى الإخطار عندئذ؟ !
أهمل واضعو الدستور والتعديل الدستوري الجديد النص على مؤسسات الرقابة على أعمال السلطات وذوي النفوذ، وعلى محاربة الفساد السياسي والمالي والإداري والقضائي؟ وما ذكر جرد من الشروط التي تعطيه الفاعلية والتأثير، فماذا يكون المآل وكيف يكون الحال مستقبلا؟.
انعدمت الرقابة السياسية التي يفترض أن يمارسها البرلمان بسبب القيود الكثيرة الموضوعة أمام ممارساتها من جهة، فالرقابة الوحيدة المهمة التي نص عليها الدستور هي ما جاء في المادة 135 وهي التصويت على ملتمس رقابة ينصب على مسؤولية الحكومة، وقد اشترط توقيع 7/1 من النواب لقبول الملتمس، ولا تتم الموافقة عليه إلا بتصويت أغلبية 2/3 من النواب كما جاء في المادة 136، وبسبب تضييق كل أبواب الوصول إلى البرلمان عن طريق الانتخابات الحرة والنزيهة من جهة اخرى، وترك باب واحد موصل إليه وهو باب التزوير والتعيين وشراء المقاعد بالمال، فتحول البرلمان إلى برلمان السلطة، يؤدي وظيفة مساعدة لرئيس السلطة التنفيذية؛ يعينه في كل ما يريد ويصادق له على كل ما يريد، فهو عون له على استضعاف الشعب والتحكم فيه، وبذلك تعطل الرقابة السياسية الواردة في هذه المادة.
انعدمت الرقابة الإدارية فليس في الدستور ذكر لها، وبذلك تحولت الإدارة إلى سوط في يد أصحاب القرار ينفذ إرادتهم، ويطبق قراراتهم، ويجلد ظهور المواطنين، سواء وافقت تلك القرارات القوانين أم خالفتها، فزال مبدأ حياد الإدارة، وتعطل مبدأ سيادة القانون، وهذا الحال مستمر في الدستور لأن التعديل لم يتناوله.
 غابت الرقابة المالية لأن مجلس المحاسبة المذكور في الدستور، هو مجرد مجلس استشاري موضوع لدى رئيس الجمهورية قضت على وظيفته عدة عيوب؛ أولها: أنه مجلس استشاري، وثانيها: أن العضوية فيه تتم بتعيين من الرئيس، وثالثها: أن له الرقابة البعدية وليست له رقابة الأداء، ورابعها: أن تقريره يقدم لرئيس الجمهورية ولرئيس مجلس الأمة ورئيس المجلس الشعبي الوطني، - كما أضاف ذلك مشروع التعديل الحالي - والرئيس حر في التصرف فيه، فانعدمت بسبب ذلك الرقابة المالية، وفتح باب نهب المال على مصراعيه أمام ذوي النفوذ والسلطان وأوليائهم، وما يتسرب إلى صفحات الجرائد من النهب للمال العام هو قليل من كثير يدل على مدى استشراء الفساد المالي بين ذوي النفوذ.
غابت الرقابة القضائية التي تفرض احترام القانون وتطبيقه على الجميع بعدل ومساواة، وفقد القضاء استقلاليته وتحول إلى أداة في يد السلطة السياسية والمؤسسات العسكرية والأمنية لقهر معارضيهم، وانتشرت بسبب ذلك الرشوة حتى أضحت هي المتحكم الأبرز في أعمال القضاة والموجه لهم في أحكامهم، ولا يشذ عن هذه القاعدة إلا القليل، وفي المسائل التي لا يكون أحد أطرافها من ذوي النفوذ السياسي أو العسكري أو الأمني أو المالي.
أن الهيئة العليا لمراقبة الانتخابات والإشراف عليها بالغة الأهمية، وما جاء في التعديل في المادة 170 مكرر 2 لا يفي بالغرض، ويجعل منها مجرد هيئة مساعدة من الناحية العملية لوزارة الداخلية، فالمادة ونصها كما يأتي.
تُحدث هيئة عليا مستقلة لمراقبة الانتخابات.
ترأس الهيئة شخصية وطنية يعينها رئيس الجمهورية، بعد استشارة الأحزاب السياسية.
للهيئة العليا لجنة دائمة. وتنشر الهيئة العليا أعضاءها الآخرين فور استدعاء الهيئة الانتخابية.
تتكون الهيئة العليا بشكل متساو من: 
- قضاة يقترحهم المجلس الأعلى للقضاء، ويعينهم رئيس الجمهورية،
- وكفاءات مستقلة يتم اختيارها من ضمن المجتمع المدني، يعينها رئيس الجمهورية.
- تسهر اللجنة العليا على شفافية الانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية ونزاهتها، منذ استدعاء الهيئة الناخبة حتى إعلان النتائج المؤقتة للاقتراع.
- تسهر اللجنة الدائمة للهيئة العليا على الخصوص على ما يأتي: 
الإشراف على عمليات مراجعة الإدارة للقوائم الانتخابية،
صياغة التوصيات لتحسين النصوص التشريعية والتنظيمية التي تحكم العمليات الانتخابية.     
تنظيم دورة في التكوين المدني لفائدة التشكيلات السياسية حول مراقبة الانتخابات وصياغة الطعون. 
يحدد القانون العضوي كيفيات تطبيق هذه المادة" انتهى. 
هذا هو نص المادة المتعلقة بالهيئة العليا المستقلة لمراقبة الانتخابات التي عدها أولياء الرئيس من مفاخر هذا التعديل، وأنها لبت مطلب المعارضة وتجاوبت معه فهل حقا تستجيب هذه المادة لمطلب المعارضة؟والجواب باختصار أن هذه المادة لا تستجيب لمطلب المعارضة بل تلتف عليه وتضع أمامه عقبة كبيرة في المستقبل تمنع الاستجابة لمطلب المعارضة للاعتبارات الآتية:
أن مطلب المعارضة المتعلق بهذه المسألة يتلخص في تنصيب هيئة عليا للانتخابات، تكون هي الجهة الوحيدة المختصة بتنظيم الاستفتاءات والانتخابات المختلفة، من تاريخ استدعاء رئيس الجمهورية للهيئة الناخبة، مرورا بمراجعة القوائم الانتخابية، وغيرها من الأعمال التحضيرية المتصلة بالانتخابات، سواء كانت مادية أو مالية أو إعلامية، ودراسة ملفات الترشح وانتهاء بتنظيم الانتخابات والإشراف عليها ومراقبتها ثم فرزها وإعلان نتائجها.
أن تتكون الهيئة من:
 قضاة موزعين على المجالس القضائية ومجالس مؤسسات الرقابة تختارهم بالتساوي مجالسهم بالانتخاب ويسميهم رئيس الجمهورية.
أعضاء من الشخصيات العامة سياسية وفكرية، وخبراء متخصصين وأصحاب خبرة في المجال الانتخابي.
يرأس الهيئة شخص منتخب من أعضائها.
يكون للهيئة مكتب إدارة منتحب من أعضائها.
يحدد قانون عضوي العدد والشروط وطبيعة العمل وضمانات حيادهم واستقلالهم.
تحدد ميزانية الهيئة العليا للانتخابات ضمن الميزانية السنوية للدولة.
يؤدي رئيس وأعضاء الهيئة العليا للانتخابات اليمين التي يحددها القانون العضوي.
أن الهيئة الواردة في المادة 170 مكرر2 فيها الكثير من العيوب التي تطعن في استقلاليتها:
النص على أن القضاة يقترحهم المجلس الأعلى للقضاء ويعينهم الرئيس، والرئيس هو رئيس المجلس الأعلى للقضاء والتعيين قاض على الاستقلالية.
النص على أن النصف الآخر يختارون من ضمن المجتمع المدني ويعينهم الرئيس، والسؤال من يختارهم؟ وما دام الرئيس هو الذي يعنيهم فهذا يعني أنه هو الذي يختارهم مباشرة أو بواسطة، والتعيين كما قلت قاض على الاستقلالية.
أن الذي يتولى مراجعة القائمة الانتخابية هي الإدارة، والهيئة لها الإشراف العام، فدورها لذلك مساعد للإدارة، والإدارة عندنا من خلال ما سبق من تجارب محل شك واتهام.
أن رئيس الهيئة يعينه رئيس الجمهورية بعد استشارة الأحزاب السياسية، وهي استشارة غير ملزمة يضفي بها المصداقية على قراره، وقد أتعبنا هذا الأسلوب، وكان وراء شيوع الكثير من المخاطر، ومثل هذا الأمر الحساس تجب فيه الشورى الملزمة، وأفضل المخارج هو الانتخاب كما جاء في اقتراحنا.
أن التعديل أعطاها حق صياغة التوصيات لتحسين النصوص التشريعية والتنظيمية، والتوصيات تكرس النزعة السلطوية لدى صاحب القرار، وتساهم في إعطاء المصداقية لما يصدره من تشريعات في هذا الشأن، وهذا مسلك ضار لا ينفع الانتخابات ولا ما تدعو إليه المعارضة. 
أن التعديل سكت عن ميزانية الهيئة بما يؤكد تحكم السلطة التنفيذية فيها، ومن يملك التمويل يملك القرار.
لكل هذه الاعتبارات نؤكد بأن الهيئة العليا في هذا التعديل خادمة ومساعدة للداخلية، ولذا فلا قيمة لها ولا دور ينتظر منها في فرض حرية ونزاهة الانتخابات. 
إننا نرى أن كثرة التعديلات المقدمة وإن كان معظمها بسيطًا وجزئيًا، إلا أن كثرتها مع وجود بعض التعديلات المهمة، وبعضها الآخر ماس بالتوازن الاجتماعي مثل ترسيم الامازيغية، وبأهم أسس العدالة القانونية مثل ما جاء في المادة 31 مكرر 2، والمادة 73 فقرة 7، والمادة 83 فقرة 2مكرر والفقرة 3، والمادة 120، ما يدفعنا للقول بأن ذلك يتطلب الذهاب إلى استفتاء شعبي في عهد سلطة شرعية وتحت إشراف هيئة مستقلة.
* جاء في المادة 171 : يؤسس لدى رئيس الجمهورية مجلس إسلامي أعلى، يتولى على الخصوص ما يأتي:
- الحث على الاجتهاد وترقيته،
- إبداء الحكم الشرعي فيما يُعرَض عليه،
- رفع تقرير دوري عن نشاطه إلى رئيس الجمهورية.
والمادة 172 : يتكون المجلس الإسلامي الأعلى من خمسة عشر (15) عضوا منهم الرئيس، يعينهم رئيس الجمهورية من بين الكفاءات الوطنية العليا في مختلف العلوم.
إن المجلس الإسلامي الأعلى بهذه الصورة كأنه غير موجود، فلا دور له ولا أثر إلا إذا أراد رئيس الجمهورية، فهو أداة من أدواته ليس إلا، ومثل هذا لا يقبل في بلد مسلم، وفي زمن تكالب فيه العالم على حرب الإسلام وتشويه صورته.
 وعليه فإن المطلوب هو أن يكون التكوين من علماء أصول الفقه والحديث وفقهاء الفروع على مذاهب أهل السنة؛ يشهد لعلمهم إنتاجهم العلمي وبلاؤهم في خدمة الإسلام ونشر ثقافته، ويضاف إليهم مثلهم من العلماء ينتخبون من المجالس العلمية التابعة للمعاهد الإسلامية وكليات الحقوق والاقتصاد، وبعض المتخصصين والخبراء في مجالات علمية أخرى مما تقوم الحاجة إليهم في معرفة رأيهم في تخصصاتهم قبل إصدار الفتوى المناسبة، وتكون العضوية فيه مزيجًا بين التعيين والانتخاب على تفصيل يحدده القانون.
يضطلع المجلس الإسلامي الأعلى بالاجتهاد والفتوى في كل ما يجد من أمور وقضايا.
السهر على حماية الإسلام، ومنع العدوان عليه والعمل على نشر ثقافته والتعريف بأحكامه.
إبداء الرأي الشرعي فيما يعرض عليه.
إبداء الرأي الشرعي في القوانين التي تعرض على البرلمان، ويقدم رئيس المجلس الإسلامي الأعلى أعمال المجلس إلى رئيس الجمهورية ورئيس مجلس الأمة ورئيس المجلس الشعبي الوطني ورئيس الحكومة، ويجب العمل بها إذا كان الرأي معللا بالدليل الشرعي.
يتمتع المجلس الإسلامي الأعلى بموازنة خاصة تتناسب مع مهامه الكثيرة، وتحقق له الاستقلالية.
أما بقية المؤسسات الاستشارية فإنها جميعا في حاجة إلى مراجعة، تتعلق بالخصوص بشروط العضوية وطبيعة المهام التي تضطلع بها بما يجعلها أكثر فعالية ونفعا للشعب والدولة، وقد أحجمت عن الحديث عنها وعن الأحكام الانتقالية دفعا للإطالة.
أما ما جاء في النقطة الثامنة من المادة 178 تحت عنوان المسائل التي لا يمكن أن يمسها التعديل الدستوري، وهي مسألة إعادة انتخاب رئيس الجمهورية مرة واحدة فقط، فهو إقحام لمسألة إجرائية مع مسائل كبرى هي من المبادئ العامة التي تحكم المجتمع الجزائري، وهذا الإقحام لا سند له يبرر وجوده هنا، وإنما يكفي ذكرها في الفصل الذي يتحدث عن انتخاب رئيس الجمهورية في المادة 74.
خاتمة
إن دستور البلاد لم يوضع ليقيم الدولة التي حلم بها المجاهدون وضحى من أجلها الشهداء وناضل لإقامتها التيار الإسلامي، وأحرار الأمة والأوفياء للشهداء والمحبون لدينهم ووطنهم وأمتهم، وإنما أسس لإقامة دولة الاستبداد، والاستبداد هو نظام أهل الأهواء والشهوات لا ينتج عنه إلا الظلم والفساد، وأن التعديلات المقدمة لم تزل الخلل الموجود في دستور 1996 إلا في جوانب جد بسيطة وكرست القطيعة مع الدولة التي نص عليها بيان أول نوفمبر وقضت على طموح الشهداء ونضالات أبناء الوطن الأوفياء لهم ولدينهم وأمتهم ووطنهم، وأن المطلوب من النظام الحالي هو التوقف عن التلاعب بمقدرات الأمة وطموحاتها بتوقيف هذه المهزلة الكبيرة، والتجاوب بإيجابية مع مطالب المعارضة في تأجيل النظر في الدستور إلى حين توفير شروط الذهاب إلى انتخابات قانونية حرة ونزيهة تحت إشراف هيئة مستقلة، وبعدها يصار إلى حوار وطني واسع وشامل لوضع دستور توافقي يقيم دولة بيان أول نوفمبر، ويحقق طموحات الشعب كله في مستقبل أفضل.
هذه قراءة عجلى في الدستور ومشروع التعديل الدستوري نبهنا فيها إلى أكثر من مائة خلل وسكتنا عن غيرها دفعا للإطالة أرجو أن تجد سبيلها إلى القلوب المفعمة بحب الدين والوطن ليقوموا بما يجسد ذلك الحب في الذب عن دينهم وشهدائهم ومصالح أمتهم وخير وطنهم.
وأضع قلمي لأحمد الله تعالى وأشكره على ما وفقني إلى تسطيره في هذا الكتيب، دفاعا عن الإسلام وذودا عن الأمة ونصحا لمن يهمهم الأمر، ونسأله تعالى أن يتقبل منّا هذا العمل المتواضع خالصا لوجهه الكريم، وأن يرزقني ووالدي وأهلي وذوي رحمي وسائر العاملين في سبيله التوفيق في الأقوال والأفعال، والدوران مع القرآن حيثما دار إنه تعالى ولي ذلك والقادر عليه.
وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب، وحسبي الله ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على نبيّنا وحبيبنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما كثيرا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق