إذا سكت أهل الحق عن الباطل ظن أهل الباطل أنهم على حق
Nouveau : Messali Hadj ( 1898 - 1974 ) : De la naissance d'un leader nationaliste maghrebin par : El Hassar Bénali journaliste et auteur. Secrétaire général du premier colloque international sur Messali Hadj organisé en 2000 à Tlemcen... Lisez l'article en trois parties sur nos pages

الخميس، 5 نوفمبر، 2015

صالح لغرور في حوار صريح حول مسار الثورة وملف الاغتيالاتxxx

صالح لغرور في حوار صريح / الحلقة الأولى
- عباس لغرور أعدم ظلما بسبب مقتل بشير شيحاني
- لغرور طلب الدفاع عن نفسه لكن لجنة التنسيق والتنفيذ لم تتح له الفرصة
- المجاهدون كانوا يحترمون عجول خوفا ويحترمون لغرور حبا وتقديرا
                                                                حاوره: صالح سعودي
article-title

يفتح الأستاذ صالح لغرور في هذا الحلقة الأولى من هذا  الحوار عديد القضايا التي تخص السير العام للثورة التحريرية على مستوى منطقة الأوراس، وخاصة ما يتعلق بملف الاغتيالات، والبداية بإعدام شيحاني بشير لأسباب وصفها بالمختلفة والمتضاربة مرورا بمخلفات اغتيال شقيقه الشهيد عباس لغرور في تونس، وكشف الأستاذ صالح لغرور عديد المسائل التي تكشف الجانب الخفي من حياة شقيقه عباس لغرور على الصعيد الديني والاجتماعي والإنساني وكذا العسكري.

هل يمكن أن تعطي لنا لمحة عامة عن حياة الشهيد لغرور؟
عباس لغرور من مواليد 23 جوان 1926، ويتزامن هذا التاريخ مع تأسيس نجم شمال إفريقيا الذي تحول فيما بعد إلى حزب الشعب، أبوه كان فلاحا، له عدة أملاك مثل الأراضي والغنم، وفي سنة 1933 اشترى والده منزلا في خنشلة لتدريس أبنائه وتقريبهم من المدينة، وفي هذه السنة دخل عباس رفقة شقيقه شعبان المدرسة (شقيقه من مواليد 1934 واستشهد أثناء الثورة)، وفي ذلك الوقت كانت تقدم لهم دروس لحفظ القرآن الكريم، حيث يتم النهوض باكرا لهذا الغرض، وبعد العودة لتناول وجبة الفطور يتم التوجه إلى المدرسة الفرنسية وفي الفترة المسائية يتم دراسة القرآن مجددا، وقد كانت الدراسة القرآنية إجبارية حفاظا على تعاليم ومبادئ الدين الإسلامي. وقد حصل عباس لغرور على الشهادة الابتدائية، لكنه لم يكمل دراسته بعدما طرد من المدرسة.

لماذا تم طرده من المدرسة؟
الكثير من الأقاويل كانت تشير إلى مضايقة المعلم من أسئلته الكثيرة، على خلاف أغلب التلاميذ الذين يفضلون الصمت، وهناك من يقول إنه وقع في مشكلة مع معلمه خارج أسوار المدرسة، حيث أن بيته كان قريبا من ملعب التنس، وقد كان المعلم يلعب قبل أن تخرج الكرة من الميدان، ما جعله يطلب من عباس إعادتها، في الوقت الذي رفض عباس لغرور الفكرة وظل مصمما على رأيه، معتبرا ما قام به المعلم الفرنسي على أنه إهانة له. وهو الأمر الذي جعل المعلم يرسل تقريرا إلى المدرسة يطلب فيها طرد عباس لغرور في حال عدم تقديم اعتذاره بمرافقة والده.

كيف كان مساره بعد ذلك؟
في الحقيقة، عباس لغرور تمنى أن يعمل في الفلاحة، لكن ميدانيا لم ينشط في هذا المجال، فقد كان يعرف عديد الشبان في مدينة خنشلة قبل أن يعمل طباخا مع ابن عمه في المطبخ التابع لحاكم خنشلة.

وماذا عن نشاطه السياسي والعسكري؟
انخرط في صفوف الحركة الوطنية عام 1945، وشارك في المظاهرات المنظمة في تلك الفترة، حيث كان عنصرا نشيطا في خنشلة رفقة حشاني إبراهيم الذي عوضه مراد عبد الله، وقد وقع عليه الاختيار بطلب من هذا الأخير لتعيينه قائدا على مستوى المنطقة موازاة مع التحركات الميدانية القائمة تحضيرا للثورة بقيادة مصطفى بن بولعيد وشيحاني بشير، حيث استغل علاقته الجيدة مع الجميع وجمع أكبر عدد من الشباب المثقفين إن صح التعبير على غرار تيجاني، حمام عمار، سالم بوبكر ومجموعة كبيرة من الشباب لتشكيل خلية طلبة، وهذه المرحلة الهدف منها هو نشر الوعي في مدينة خنشلة موازاة معه النشاط المماثل في مناطق أخرى من الأوراس.

ما هي مختلف أساليب الوعي التي كان يقوم بها؟
كان يأخذ الشباب إلى السينما لمشاهدة أفلام وطنية، وبعد ذلك يفتح المجال للنقاش بغية تحسيس الناس لتهيئة أنفسهم للعمل الثوري، وكان يدعو إلى توظيف الأغاني الوطنية في الأعراس، ناهيك عن الجهود التي قام بها بخصوص جمع المال لتعزيز خزينة الثورة. وفي بداية الخمسينيات كانت له علاقة جيدة مع عديد القياديين الميدانيين على مستوى منطقة باتنة والمناطق المجاورة.

كيف بدأت علاقته بالشهيد مصطفى بن بولعيد؟
حسب المعلومات التي جمعتها، فقد كانت البداية منتصف الأربعينيات، حين تم تحويل مصطفى بن بولعيد إلى خنشلة لأداء الخدمة العسكرية، وتوطدت بعد ذلك علاقة متينة مصحوبة بثقة كبيرة كان لها دور كبير في التنسيق الحاصل بين الرجلين وبقية القادة المساهمين في تفجير الثورة.

كيف تأكدت من الثقة الكبيرة التي تربط الرجلين؟
أبسط مثال يعكس ذلك، هو أن مصطفى بن بولعيد ترك لعباس لغرور حرية التصرف ليلة الفاتح نوفمبر، وكانت عمليتا خنشلة وباتنة من أنجحها على الإطلاق.

هل ساهم عباس لغرور ماديا في الثورة أم اكتفى بالعمل العسكري؟
باع كل ممتلكاته الشخصية، وطلب من أبيه نصيبه من الميراث، وفي العادة لا تتم عملية القسمة بين الأبناء مادام أن الوالد على قيد الحياة، إلا أن أباه لبى طلبه دون إشكال، حيث كان نصيبه حصان وقطعة أرضية مساحتها نحو 9 هكتارات، وقد تأكدت من المعلومة فيما بعد، والغريب أنه باعها للمعمر سنة 53 واسترجعها في 1962   حسب الوثائق. كما باع كل ما يملكه وله قيمة مادية من أجل تعزيز خزينة الثورة.

ما هي الخطوات التي قام بها تمهيدا لاندلاع الثورة التحريرية؟
شكّل مجموعة خنشلة التي تكونت من 40 مسجلا، وكان يترقب 20 آخرين من منطقة يابوس لتدعيم هجوم خنشلة، وقد وقع الهجوم دون حضور جماعة يابوس التي لم تصل إلى المكان المحدد الواقع قرب حمام الصالحين، أو ما يعرف بعين السيلان، وقبل شن الهجوم ليلة الفاتح نوفمبر تم تقسيم الأفواج، فكل فوج له مسؤول، حيث أن هناك فوج توجه إلى محطة الكهرباء، وفوج إلى مركز الشرطة، وآخر إلى دار الحاكم وآخر نحو الثكنة العسكرية، وقد كان الهجوم ناجحا إلى أبعد الحدود، حيث عرف مقتل ضابط فرنسي، وعسكري، وتم الاستحواذ على بعض أسلحة الشرطة الفرنسية.

قلت إن بن بولعيد منح له حرية عملية الهجوم ليلة الفاتح نوفمبر، فهل لديه الصلاحيات في المسائل المتعلقة بالتنسيق والاتصال بالمناطق الأخرى؟
الشيء المؤكد هو أن العلاقة بين الرجلين مبنية على الثقة والاحترام المتبادل، أما عن سؤالك، فإن هذه المسألة فيها عدة وجهات نظر، ومن الممكن طرح تساؤل حول أسباب عدم إشراك مصطفى بن بولعيد لمساعديه مثل عاجل عجول وعباس لغرور وبلعقون، لأن عدم تجسيد هذه الخطوة هو الذي تسبب في عدة مشاكل أثناء عقد مؤتمر الصومام.

لماذا في رأيك؟
ببساطة، لأن مساعدي مصطفى بن بولعيد مثل عباس لغرور وعاجل عجول وبلعقون غير معروفين لدى قادة الأحزاب ومسؤولي الثورة في الولايات الأخرى، رغم أنهم كانوا ينشطون بصفة عادية، على خلاف شيحاني بشير الذي كان يعمل في سرية.

ما هي مخلفات هذا الإشكال حسب رأيك؟
كانت ظاهرة في مؤتمر الصومام، والجميع يعرف أن مصطفى بن بولعيد هو الممثل الوحيد لمنطقة الأوراس، وهو ما جعل غيابه بعد استشهاده يخلف فراغا كبيرا، خاصة في ظل عدم وجود من ينوب عنه ومعروف لدى بقية قادة ومسؤولي الثورة.

هل يمكن أن تشرح لنا علاقته مع المحيط العائلي وتنشئته الاجتماعية؟
في الحقيقة والده لم يكن متدينا لكن كان معروفا برزانته على مستوى المنطقة، ويقال عنه بالشاوية "محند أوعمار يسخساي العافيث بلا يامان" (أي يطفئ النار دون ماء)، أما عباس لغرور فقد كان متدينا إلى أبعد الحدود وصارما في الوقت نفسه، كما كان يكره الظلم ويحاربه بشدة سواء في نشاطه السياسي والعسكري أو في محيطه العائلي.
فعلى سبيل المثال كان ضد فكرة إرغام البنات على الزواج دون موافقتهن، وتجسد ذلك مع أخته التي دافع، واحترم خيارها بخصوص رفض فكرة الزواج بأحد أقاربها، وهذه المسألة يصعب قبولها خاصة أن التقاليد كانت ضد هذه الفكرة، كما كانت علاقته محل احترام بين والديه ومحيطه الأسري بشكل عام.

بعض الأشخاص يقول إن عباس لغرور يتصف بتكوين مزدوج من الناحية العسكرية والسياسية، فإلى ماذا يعود ذلك؟
والده اشترى له "كرابيلا"، وكان يخرج بها إلى الغابة للصيد، كما كان يرافق والده إلى القرية لتعلم فنون الرمي، كما كنا نملك دارا أخرى بسيطة كانت تخصص لاستقبال الحجاج الوافدين من الشرق، وكان يعد هذا المنزل بمثابة نقطة توقف واستراحة قبل مواصلة المسار، وقد كان عباس لغرور يستغل تواجد الحجاج للاستفادة منهم والحصول على معلومات عن فلسطين وما وقع في العام 1948 وعديد المسائل والمستجدات التي تخص واقع البلدان العربية والإسلامية في تلك الفترة، وهو الأمر الذي جعله يكتسب وعيا كبيرا انعكس عليه بالإيجاب في تكوين شخصيته الوطنية والثورية.

كيف ذلك؟
هناك كتابات ورسائل عديدة تنسب إليه، وتؤكد أن له بعدا كبيرا رغم أنه لم يخرج من منطقة خنشلة، فقبل بوضياف هو الذي قال إن "الجزائر قبل كل شيء" وقد ترجمها حربي بعد أن استخرج رسالة له من الأرشيف، كما "المجد للجزائر والعرب"، كانت له شخصية ورؤية عميقة للأمور، وتميز بالوعي السياسي تجاه مستقبل الوطن والعالم العربي والإفريقي وبلدان العالم الثالث، وهذا رغم غياب قنوات الاتصال وعزلة المنطقة.

هل كان له توجه إيديولوجي معين؟
بالعكس كان يرحب بجميع الأفكار والتوجهات، ويحضر مختلف اللقاءات التي تنظمها الأحزاب والجمعيات، سواء ما تعلق بجمعية العلماء المسلمين أو حزب الشعب بقيادة مصالي الحاج أو حزب فرحات عباس وغيرها، وهو ما يؤكد أن رؤيته كانت شاملة خاصة وان القاسم المشترك في ذلك الوقت هو الجزائر. كما أن أحد الكتاب الفرنسيين تفاجأ للتعايش الذي ميز منطقة خنشلة رغم تعدد الأحزاب والتوجهات.

قيل إنه دخل السجن بسبب تنظيم مظاهرة قبل سنوات عن اندلاع الثورة، فما الغرض من هذه المظاهرة؟
الظاهر منها هو الدفاع عن حقوق البطالين، لكن الغرض الرئيسي من ورائها هو الوقوف على رد فعل الشعب والتأكد من مستوى الوعي حول إمكانية مواجهة الاحتلال الفرنسي، وتأكد أن رد الفعل كان ايجابيا للغاية، كما فرضت عليه في إحدى المناسبات غرامة مالية قاسية بحجة جمع أموال بطريقة غير شرعية، ما تسبب في تعذيبه قبل أن يتم علاجه في باتنة.

هل كان لفترة الخدمة العسكرية أثر في تكوينه؟
بالعكس، فعباس لغرور لم يؤد الخدمة العسكرية، ولما استفسرت عن ذلك تأكدت أن السبب يعود إلى إعفاء السلطات الاستعمارية للشباب البالغين سن 19 سنة موازاة مع مظاهرات 8 ماي 1945، وفضلت تجميد القرار مؤقتا حتى لا ينعكس عليها بالسلب، خاصة بعد تأكدها من وجود شباب جزائري واع ويحمل كرها كبيرا لفرنسا بعد المجازر الرهيبة التي قامت بها في عدة ولايات، وعليه فإن تكوين عباس لغرور كان عصاميا وهذا باعتراف كل من يعرفه عن قرب. ناهيك عن إصراره على مواجهة فرنسا، وكان يعتبر الثورة أمرا مقدسا.

كيف كانت علاقته بعاجل عجول؟
كان يتفاهم معه بشكل جيد، وهو ما خلف تنسيقا مهما منذ التحضير للثورة، ورغم أن عجول يحترمه المجاهدون خوفا منه إلا أن هذا الأخير كان يحترم عباس لغرور.

هل يمكن أن تشرح لنا أسباب وخلفيات إعدام شيحاني بشير؟
أولا كل الشهادات تصب في خانة أن شيحاني بشير إنسان مثقف ومتمكن من الناحية الإدارية، وكان مسؤولا فاعلا رفقة عاجل عجول وعباس لغرور وغيرهما، وكانت الأمور تسير بشكل جيد مع الثلاثي حتى أن البعض وصف العلاقة بينهم مثل الجسم والروح والعقل، أما عن ظروف اغتياله فقد أدرجت في مؤلفي الجديد كل ما كتب حول هذه القضية، وحاولت أن أكون موضوعيا إلى أبعد الحدود مع تقديم وجهة نظري في النهاية.

ما هي الأسباب الرئيسية إذن؟
ذكرت نحو 15 سببا، فهناك من يقول إن إعدام شيحاني بشير يعود إلى خوفه وتسببه في عدة أخطاء إستراتيجية أثناء الثورة، وأنت تعرف أنه في ظروف معينة وفي ثورة معينة قد تتخذ قرارات بصفة عشوائية وربما تعسفية، فقد يتم إقرار الإعدام بسبب التدخين، أو التقصير وغير ذلك، المؤكد أن هناك تجاوزات حدثت أثناء الثورة.

هل لعباس لغرور دور كبير؟
هناك شهادات تقول إن عباس لغرور اعترف بمسؤوليته في اغتيال شيحاني بشير، الحقيقة لم تتأكد لكن الأسباب لما نحللها في الظروف الحالية تبدو غير واضحة، اتهموه بوقوع أخطاء فادحة في معركة الجرف، إضافة إلى بعض القرارات التي اتخذها ووصفها بعض الأشخاص بالمبالغ فيها.

ما هي هذه القرارات؟
مشكلة شيحاني بشير تكمن ربما في عدم انتمائه للمنطقة، ورغم أنه محل احترام الجميع، ومحل اعتراف الكثير بحنكته وثقافته، لكنه اتخذ عدة قرارات اعتبرها البعض أنها في غير محلها، فعلى سبيل المثال طالب بتحويل عاجل عجول إلى تبسة، وهو الأمر الذي لم يستسغه بعض المجاهدين، خاصة أن عاجل عجول متواجد في مسقط رأسه ويعرف منطقة كيمل وما جاورها بشكل جيد، ولا يمكن لأي قائد آخر أن يكون أفضل منه في هذا المكان، فيما طالب بتحويل شريط لزهر إلى منطقة كيمل.

هناك من يرجع إعدامه إلى أسباب أخلاقية؟
لا أعتقد أن هذا هو السبب الرئيسي، ولو أن هذا هو الكلام المتداول لدى العامة، ببساطة لأن شيحاني بشير إنسان متزن أخلاقيا، وقد أشار إلى ذلك الأستاذ مرداسي في استجوابه لعدد هام من المجاهدين الذين يعرفون شيحاني بشير عن قرب. أقول هذا الكلام رغم أن هناك أقاويل تشير إلى أن عباس لغرور بكى كثيرا بعدما سمع شيئا من هذا القبيل خاصة أنه يعتبر الثورة شيئا مقدسا.

وما هي وجهة النظر التي توصلت إليها على ضوء الشهادات التي جمعتها؟
احتراما لشيحاني بشير، لا يمكن قول هذا الكلام، خصوصا أن دوره كان كبيرا في اندلاع الثورة التحريرية، كما أن هناك إجماع يؤكد أن شيحاني إنسان مستقيم الأخلاق.
---------------------------------------------------------------------------------

شقيق عباس لغرور في حوار صريح / الحلقة الثانية والأخيرة
- عميروش أخطأ عندما اشترك في محاولة اغتيال عجول
- عجول ليس خائنا ووالده هو من سلمه للفرنسيين بسبب جراحه
- هناك شكوك حول تضليل ممثلي منطقة الأوراس حتى لا يحضروا مؤتمر الصومام                                   حاوره: صالح سعودي


يتطرق الأستاذ والباحث صالح لغرور في الحلقة الأخيرة من هذا الحوار إلى العديد من القضايا الشائكة التي عرفتها الثورة التحريرية على مستوى منطقة الأوراس، وفي مقدمة ذلك غياب ممثليها عن أشغال مؤتمر الصومام لعدة أسباب متضاربة، ووصف مهمة عميروش في الولاية الأولى بالفاشلة بسبب افتقاده لآليات الحياد في الصراع بين عجول وعمر بن بولعيد، كما تطرق إلى أسباب وخلفيات إعدام عباس لغرور الذي تبعته موجة تصفية مست حسب قوله 53 إطارا ساميا من خيرة أبناء الولاية التاريخية الأولى.

كيف كان موقف عباس لغرور من مؤتمر الصومام؟
ألا يجدر بنا أن نتساءل، هل البيان وصل أم لا؟ وهل قام عميروش بهذا الواجب موازاة مع الحديث عن تواجده في منطقة الأوراس لإصلاح ذات البين؟ وهذا على خلفية توتر العلاقة بين عمر بن بولعيد وعاجل عجول. وقد تم التحضير لاجتماع مؤتمر الصومام في سرية تامة، ووصل الأمر إلى عدم دعوة أغلب القادة الأساسيين للثورة، دون الحديث عن طبيعة المشاركة في تحرير القرارات أو مناقشتها، كما أن هناك فرضية حول احتمال تضليلهم حول مكان وتاريخ انعقاد المؤتمر حسب العديد من الشهادات، وكان أكبر الضحايا هم ممثلو الولاية التاريخية الأولى، وعليه من الطبيعي أن يكون عباس لغرور رافضا لنتائج المؤتمر، لأن العديد من القرارات التي خرجوا بها كان لها بعد إيديولوجي.

ماذا تقصد بالقرارات الإيديولوجية التي خرج بها مؤتمر الصومام؟
هناك عدة نقاط كانت مناقضة لمبادئ 1 نوفمبر، كما تم إزاحة عبارة الجمهورية الجزائرية في إطار القيم الإسلامية، قبل أن يتم تدارك ذلك في القاهرة، وغيرها من الجوانب التي خلفت عدة تحفظات، مثل أولوية الداخل على الخارج والسياسي على العسكري، وهو الأمر الذي تم توظيفه لإضعاف جهات معينة، وفي مقدمة ذلك مسؤول الوفد الخارجي أحمد بن بلة الذي تم إقصاءه بطريقة غير مباشرة من حضور مؤتمر الصومام.

لكن مسألة عدم حضور ممثلي ولاية الأوراس ربطها البعض بعدة أسباب، فهل يمكن أن توضحها؟
حسب العديد من الكتابات والشهادات فإن الدعوات لم تصل لبعضهم، ومن وصلتهم لم يحدد فيها مكان الاجتماع رغم المراسلات التي قاموا بها لطلب تحديد المكان والتاريخ، فعجول صرح بأن الدعوة وصلته مثلما وصلت عباس لغرور، لكن هذا الأخير كان في طريقه إلى تونس، وهو ما حال دون تعيين ممثلين، علما أن مصطفى بن بولعيد كان قد استشهد في مارس 1955، وبقي خبر استشهاده محل تكتم لعدة أشهر، كما أن الإشكالية الأخرى تمثلت في تأخر تعيين خليفته.

لكن هناك أطرافا تقول أن وفد الولاية الأولى لم يصل في الوقت المحدد؟
هناك شهادات تؤكد تعيين وفد لحضور الاجتماع، لكنه لم يتمكن من الوصول بسبب جهله لمكان الاجتماع، أو يكون قد تم تضليله حول مكان انعقاد المؤتمر، وخلاصة القول أن الولاية الأولى لم تشارك، أما ممثلو الوفد الخارجي، فإن الكتابات والشهادات تتحدث عن عدم تلقيهم الدعوات، وتشير إلى غياب الدليل الذي كان من المفروض أن يقودهم إلى مكان المؤتمر، كما لم يتم دعوة ممثلي الفدرالية بفرنسا.

ما علاقة عدم توجيه الدعوة لممثلي الوفد الخارجي بغياب ممثلي الولاية الأولى؟
عبان رمضان لم تكن علاقته جيدة مع الوفد الخارجي الذي تم تعيينه عشية الفاتح نوفمبر 1954، وهناك شكوكا حامت حول نية إبعاد أحمد بن بلة، خاصة أنه يحظى بعلاقة طيبة وتغطية عسكرية من الولاية الأولى، وقد صرح بأنه طلب منه رفقة خيذر الذهاب إلى طرابلس لانتظار من يصطحبه إلى داخل الجزائر بغية حضور مؤتمر الصومام، لكن حسب قوله فقد انتظر 20 يوما دون أن يأتي أحد لاصطحابه.

في رأيك، ما هي انعكاسات قرارات مؤتمر الصومام على منطقة الأوراس؟
القرارات لم تقتصر على مركزية القرار والإدارة، ولكن تعدت إلى توزيع الرتب على الموالين، وتعيين قادة الولاية الأولى دون الأخذ بآراء مؤسسيها الأوائل من قادة جيش وجبهة التحرير الوطني، خاصة قادة الولاية الأولى، فقد تم تعيين دخيل من قدامى الجيش الفرنسي دون الأخذ بعين الاعتبار آراء ومناضلي الحركة الوطنية، وقرر المجتمعون تكليف مجموعة من المسؤولين السامين للثورة للالتحاق بالأوراس، من اجل تبليغ قرارات لقاء مؤتمر الصومام، والاستفسار عن حال الولاية وظروف استشهاد مصطفى بن بولعيد.

من هم المسؤلون السامون الذين تم اقتراحهم لزيارة الولاية الأولى؟
كان من بينهم زيغود يوسف وابراهيم مزهودي وأوعمران وسي شريف (علي ملاح) وعميروش.

هل وفق هؤلاء في القيام بما هو مطلوب منهم؟
حسب شهادة العقيد بن معلم، فإن هذا الوفد كلف بهدفين هما تبليغ قرارات مؤتمر الصومام، ولعب دور الوسيط والمرشد لتحقيق السلام والوئام بين الأطراف محل الخلاف في منطقة الأوراس، لكن لأسباب تبقى غامضة لم يصل القادة المقترحون إلى المنطقة، فباستثناء الشهيد زيغود يوسف الذي سقط في ميدان الشرف شهر سبتمبر 1956، ويعتقد أنه كان في طريقه إلى الأوراس، إلا أنه في النهاية وصل مسؤول واحد من الذين تم تعيينهم، وهو عميروش الذي لم يكن أنذاك قائدا للولاية، ولم يكن يعرف من قادة الثورة التسعة سوى كريم بلقاسم، ولم يسبق له أي احتكاك مع القادة التاريخيين للأوراس، على خلاف الشهيد زيغود يوسف وقادة آخرين سبق لهم زيارة منطقة الأوراس هروبا من متابعات الجيش الاستعماري قبل بداية الثورة.

ما هي الوظيفة التي قام بها عميروش في منطقة الأوراس؟
للأسف ارتكز على الصراعات الداخلية بين عجول وعمر بن بولعيد الذي كان يطالب بأحقيته في استخلاف أخيه، وقد مال عميروش نحو هذا الأخير، ما جعله تحت حماية رجال عمر بن بولعيد.

هل نجح عميروش في المهمة الملقاة على عاتقه؟
نتائجها كانت فاشلة، إن لم أقل كارثية، وهنا يجب التساؤل: هل فعلا جاء عميروش لتكريس الصلح بين الأطراف المتخاصمة؟ أعتقد حسب روايات الكثيرين أن القرار المتخذ كان خاطئا، حيث كان يفترض الاعتماد على قياديين يعرفون المنطقة ويعرفون قادتها، وعليه يمكن القول أن زيارته خلفت متاعب كثيرة للولاية الأولى كقضية استسلام عاجل عجول، وعدم إيصال قرارات مؤتمر الصومام إلى جميع القادة، وهو ما خلف حيرة وسط المؤيدين والمعارضين على حد سواء، وتسبب ذلك في تفشي عدم الثقة، إضافة إلى تهميش وتصفية العديد من القادة التاريخيين النوفمبريين.

ألا ترى أن هذا الحكم قاس نوعا ما أو تغلب عليه الذاتية؟
أغلب القياديين في منطقة الأوراس يجمعون أن عميروش حاد عن المهمة التي جاء من أجلها، خاصة بعد مخلفات النتائج الكارثية لمساعيه بعد استجوابه غير اللائق لعاجل عجول، خصوصا أن تصرف عميروش كان بطريقة تعسفية وحاول الاشتراك مع من تبعه على اغتيال الرجل وهو نائم.

كيف كان رد فعل عجول بعد محاولة اغتياله؟
لجأ إلى بيت والده، وسرعان ما تعفنت جراحه وأصبح محاصرا، خاصة بعد ما تم التخلي عنه، وتم تخوينه من بعض رفقائه المقربين، وهو ما جعل والده يسلمه إلى الجيش الفرنسي، معتقدا انه سيحميه بهذه الطريقة، وبسقوط عجول دخلت الولاية التاريخية الأولى في صراعات داخلية معقدة.

البعض يصف عاجل عجول بالخائن، فكيف تعلق على هذه التهمة؟
عاجل عجول إنسان وطني، ويعد من الرعيل الأول للثورة التحريرية، ومناضل فعال في الحركة الوطنية، ولم يحمل السلاح ضد جبهة وجيش التحرير الوطني، كما انه لم يتبع نهج الحركى، بدليل أنه لم يغير موقفه وفضل الصمت، وعليه فهو يختلف كثيرا عن بقية الأطراف التي حملت السلاح بشكل مباشر ضد الثورة.

ما هي التهم الأخرى الموجهة لعميروش خلال زيارته لمنطقة الأوراس؟
هناك من يتهمه بمحاولة تكسير الولاية الأولى التي كانت تؤيد بن بلة، فبعد ما حاول الحد من نشاط عاجل عجول، فقد تحول إلى تونس، وتم إبعاد محساس، وكان له دور في إعدام عباس لغرور ومجموعة من الإطارات السامية المقربة منه، كان من المفترض على عميروش أن يطالب بالإفراج عن عباس لغرور حتى يتم إخراجه من الحدود التونسية، وبعد ذلك له الحق في محاكمته بصورة مباشرة وعادلة.

كيف تعامل مع قضية عباس لغرور؟
حين التقى عميروش عباس لغرور في تونس، سأله عن أسباب إعدام شيحاني بشير، وهي الورقة التي وظفت بأثر رجعي بغية إعدامه.

ما هو الغرض من ذلك حسب رأيك؟
السبب واضح، وهو التخلص من رموز ثورة 1 نوفمبر، لأنه لم يتبق منهم الكثير، حيث استشهد مصطفى بن بولعيد في مارس 1956، وزيغود يوسف في سبتمبر 1956، وأعدم شيحاني بشير، وتم عزل عاجل عجول، وإعدام عباس لغرور، وتم سحب قيادة الوفد الخارجي من أحمد بن بلة، وغير ذلك من الممارسات التي لم تكن بريئة، بدليل أن هذه الممارسات تمت حتى قبل مؤتمر الصومام، حين وصل وفد إلى تونس للتنسيق مع الحكومة الفرنسية، وعمل على إبعاد كل من تم إيفادهم في الأشهر الأولى من اندلاع الثورة كممثلين تم اختيارهم من طرف قادة المنطقة الأولى.

هل يمكن أن تشرح لنا أسباب وملابسات القبض على عباس لغرور في تونس؟
وصل عباس لغرور إلى تونس في مهمة صلح بين قادة الولاية، ومن باب الاتصال بقادة الوفد الخارجي الجزائري، إلا أنه اعتقل، ووضع تحت الإقامة الجبرية من طرف التونسيين بالتواطؤ مع لجنة التنسيق والتنفيذ، والتي كان ممثلها أوعمران الذي هيأ الأرضية لبسط نفوذ لجنة التنسيق والتنفيذ.
وكان من المفترض أن يخلف اجتماع الصلح نتائج ايجابية على مستقبل الولاية الأولى، لكن تم إفشاله، وتم اتهام عباس لغرور باتهامات بناء على استنتاجات من مصالح الأمن السرية الفرنسية وعملائهم، وكان عليه أن يشرح الوضع ويبرر مواقفه، لكن لم يسمح له بذلك، ولم تتح له فرصة الدفاع عن نفسه أمام لجنة التنسيق والتنفيذ رغم تواجد كريم وأوعمران اللذين كان يثق فيهما، وهذا بناء على وصية مصطفى بن بولعيد.

هل حاول عباس لغرور الهروب بعد أن تأكد من وجود نية في القبض عليه ومحاكمته؟
كانت له ثقة كبيرة في إقناع الجميع أثناء المحاكمة، حتى أن بعض المجاهدين طلبوا منه الهروب وسخروا إمكاناتهم لهذا الغرض، لكنه رفض الفكرة من أساسها، عباس لغرور تفادى الدخول في حرب معهم حقنا لدماء الجزائريين، واقتناعا منه أنه قادر على توضيح الأمور وإزالة الغموض، ولم يكن يتوقع أن الحكم سيتم بطريقة متسرعة.

نفهم من كلامك أن الغرض الأساسي من محاكمته هو تصفيته؟
العديد من الشهادات تؤكد غياب أية إرادة لإبقائه حيا، فظروف المحاكمة لم تعد مثل التي كانت موجودة في بداية الثورة، والتي قد تكون تعسفية أحيانا، ورغم أن مؤتمر الصومام نص على قوانين للمحاكمة أقل تعسفية من تلك التي كانت خلال السنوات الأولى للثورة، لكن للأسف تمت بعد ذلك تصفيات راح ضحيتها العديد من المجاهدين، بما في ذلك مهندس مؤتمر الصومام عبان رمضان.

على ذكر إعدام عباس لغرور وعدة قيادات مهمة، هناك تصفية ذهب ضحيتها إطارات في الثورة، ما قولك؟
أكيد أن الاغتيال لم يمس عباس لغرور فقط، بل تم تصفية حوالي 53 إطارا ساميا من خيرة أبناء الولاية الأولى، أذكر من بينهم عثماني تيجاني، شريط لزهر، حوحة بلعيد، محمد منتوري، زعروري عبد المجيد، هالي عبد الكريم، آيت زاوش حميمي وآخرون، جلهم كانوا قادة سامين وإطارات مثقفة للثورة، وقد بلغت قائمة من تعرضوا للتصفية حوالي 53 إطارا ساميا من الثورة طلبة ومجاهدين، أضف إلى ذلك مئات المجاهدين البسطاء، وهناك المئات من المعتقلين الذين تم استخدامهم كوسيلة لنقل الأسلحة، حتى أن العديد منهم لقي حتفه بسبب طول الطريق، وسقط بعضهم في طريق العودة إلى الأوراس من دون أسلحة أثناء القتال مع العدو، بعض هؤلاء لايزالون على قيد الحياة، لكن لا يريدون الحديث عن تلك الظروف بحجة عدم إثارة الجراح خوفا على مصلحة الوطن.

كيف كان مصير هؤلاء بشكل عام؟
هناك من تم عزلهم ونفيهم إلى بلدان صديقة، وآخرون تمكنوا من الهروب والالتحاق بولاياتهم لتقديم خدمات أخرى للثورة، وفي هذا الجانب أقول أن عملية التصفية مست أغلب مناضلي وإطارات الولاية الأولى بالتواطؤ، أو بالأحرى بالتعاون مع السلطات التونسية التي تدخلت بطلب من القادة الجدد، ورغم أن مبدأ استقلالية القرار الوطني كان محل رفض واستنكار الجميع بما في ذلك لجنة التنسيق والتنفيذ، إلا أن الحفاظ على المصالح الشخصية لبعض أفرادها جعل هذا الأمر مطلوبا بإلحاح للقضاء على رجال الولاية الأولى المخالفين لرأي لجنة التنفيذ والتنسيق، بعد تغيير الاتفاقيات خلال لقاء أوعمران ببورقيبة حسب آيت أحمد، وهو الأمر الذي سمح للحكومة التونسية بالتدخل في شؤون الثورة الجزائرية عسكريا وسياسيا.

ماذا تقول عن مصطلح "المشوشين" الذي كان يردد أنذاك؟
أنا ضد هذه العبارة، يمكن القول أنهم معارضون، وهذا بناء على عدة اعتبارات، خاصة أن الأمور تغيرت بعد مؤتمر الصومام الذي عرف تغييب الولاية التاريخية الأولى، ناهيك عن سن قوانين جديدة كانت محل خلاف، وعليه من الطبيعي أن يتم معارضة بعض نتائج مؤتمر الصومام من طرف قادة لم تتح لهم فرصة الحضور ورأوا أنها لا تتماشى مع خط الثورة الذي رسم منذ البداية.

تحدثت كثيرا عن وجود تصفية لإطارات الولاية الأولى، إلا أن البعض يشكك في فعالية منطقة الأوراس خلال الثورة التحريرية، ما قولك؟
في دراسة أعدتها السيدة عمران جميلة منتصف الثمانينات تحت إشراف المركز الوطني للأبحاث التاريخية تؤكد أنه من بين 143 عسكري فرنسي قتلوا ما بين نوفمبر 1954 وجويلية 1955، فإن 119 منهم قتل في الولاية الأولى (منهم 81 في منطقة باتنة)، ومن بين 544 مجاهد قتلوا في نفس المرحلة نجد منهم 382 قتلوا في الولاية الأولى، وفي منطقة باتنة وحدها تم ترحيل 4700 شخص بين نوفمبر 1954 وجانفي 1955، كما تم توقيف 2214 شخص في الولاية الأولى ما بين نوفمبر 1954 وجويلية 1955، وهذا يعكس تضحيات وصمود منطقة   الأوراس ضد الاستعمار الفرنسي، ولو أن هذا لا يقلل من جهود ودور بقية مناطق الوطن. 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق