التخطي إلى المحتوى الرئيسي

هذا رمضان يغادرنا ، فهل غيرنا ما بأنفسنا؟


في كلّ عام تستقبل الأمّة الإسلامية شهرًا عظيمًا، وما هي إلاّ أيّام قليلة مرّت على دخول هذا الشهر الكريم وأصبح الواحد منّا يهنئ الآخر على قدومه، فهو شهر الشهور، شهر العبادة، شهر الصّيام، شهر المغفرة وشهر العتق من النيران.
 المتأمل جيّدًا في أحوال العباد من النّاس، يجد أنّهم استقبلوه بكلّ شغف وشوق وكأنّهم كانوا في انتظار ضيف عزيز قادم من السّفر، وللأسف الشّديد تحزن قلوب هؤلاء العباد على فراق هذا الحبيب الّذي آنسهم من أوّله إلى آخره بالذِّكر والدّعاء والعبادة، فتجد كلّ واحد منهم قلبه منكسر محزون وهم لا يدرون هل سيجدهم العام المقبل أم لا؟ في عداد الأحياء أم الأموات؟ ولم يبق منه إلاّ القليل وقد أوشكت أيّام نوره ونور القائمين على الرّحيل.
فعلى كل كلّ مسلم قد قصّر في الأيّام الّتي خلت أن يبادرها بالتوبة والإنابة في القليلة الّتي بقيت، وما هي إلاّ لحظات لا نفقه حقيقتها أهي لحظات عزاء أم سرور. فمَن أحسن فيه وأخلص لله تعالى فعليه مواصلة المسير وله الجنّة، ومَن فرّط فيه فليكن ختامه تداركاً بالأعمال الصّالحة والاستقامة على أمر الله ورسوله صلّى الله عليه وسلّم، واجتناب البدع والأهواء، لعلّ هذه الأعمال تكون شاهدة يوم لا ظلّ إلاّ ظلّه تعالى. فلنتذكر كم من واحد كان معنا في رمضان العام الّذي انصرم وجاء عليهم هذا العام وهم في القبور ووجدوا ما عملوا في حياتهم إن كان خيرا فخير وإن كان شرًّا فشرّ.
فكل عين تدمع على فراق هذا الشّهر الكريم عينٌ ترجو من الله القبول وإعادته أيّامًا مديدة وأعمارًا عديدة.
و لمن فرّط فيه وقد لا يزال في ذلك بأنّه لا ينفع مع البكاء شيء إلاّ التوبة، ألاّ تتذكر كم من ناصح لك؟ فما قبلتَ نُصح النّاصحين، وكم مرّ بك المنيبون القانتون؟ فما حرّكتَ ساكنًا وكم وكم وكم؟ حتّى إذا ضاق بك الوقت وحاق بك المقت ندمتَ على التّفريط من حيث لا ينفع النّدم، فبادِر بالتّوبة وتصدّق في سبيل الله فرمضان يودّعنا في احتضار، عسى أن تلحق بالّذين قُبِلَت عباداتهم وغُفرَت خطاياهم وعتقوا من نار جهنّم نار السّموم ورزقوا باب الريّاّن الّذي لا يدخله إلاّ الصّائمون المخلصون.
واعلم رحمك الله أنّ الشّقي من العباد مَن أدرك رمضان ولم يغفر له، وفيه قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم حين رقى المنبر فلمّاّ رقى الدرجة الأولى قال: ”آمين” ثمّ رقى الثّانية فقال: ”آمين” ثمّ رقى الثّالثة فقال: ”آمين”، فقالوا يا رسول الله سمعناك تقول آمين ثلاث مرّات، قال: ”لمّاّ رقيت الدرجة الأولى جاءني جبريل عليه السّلام فقال: ”شقي عبد أدرك رمضان فانسلخ منه ولم يغفر له، فقلت آمين” رواه البخاري في الأدب المفرد.
وعليه ها نحن نودّع رمضان شهر البركة والخيرات فهل تغيّرنا؟ هل خلعنا ثوب الحقد والحسد؟ هل تطهّرت نفوسنا من الغيّ إلى الرشاد؟ هل وهل وهل؟
فكيف بنا ندرك شهر التّوبة والرّحمة ثمّ نودّعه بوداع أعمالنا الصّالحة وأخلاقنا الطيّبة وعباداتنا وتطوّعاتنا لله تعالى. فهذا والله لمن فعل اليهود والنّصارى. ولهذا كان لزامًا علينا أن ندرك حقيقة هذا الشّهر الكريم وحقيقة صومه وأنّ الغاية كلّ الغاية منه هي التّقوى، قال تعالى: ”كُتِب عليكم الصّيام كما كُتِب على الّذين من قبلكم لعلّكم تتّقون”، وهذا نجده كذلك في سائر العبادات.. إذن ها هو رمضان يودّعنا وكأنّه يحتضر، وإنّ أفول نجمه ليجمع بين العزاء والفرح والتهنئة، فلحظات وداعه لا تنس ولوعتها لا تبل وإنّ دموعه لتحرق الوجنات بحرارة العبرات فهل تغيّرنا؟
رمضان معهد الأجيال في صلاح حالهم وكلّ أمورهم، فلنحذر من الرّجوع إلى المعاصي بعد أن تخرجنا من هذا المعهد الوثيق حاملين شهادةً ليس كمثلها شهادة أبدا عند الله تعالى، ولنربّي أنفسنا بأنّ الإله الّذي يُعبد ويُخشى في رمضان هو الإله الّذي يُعبد ويُخشى في غيره من الشّهور، فبئس قوم لا يعرفون الله إلاّ في رمضان، فإذا انسلخ هذا الشّهر هجروا العبادة والذِّكر والأخلاق الرفيعة.

تعليقات

الأكثر قراءة

المـلـــــف : مصالي الحاج ( المولد ، النشأة و الكفاح )

نشأته
·مولده ونسبه : ولد أحمد مصالي الحاج ليلة 16 ماي 1898 في حي رحيبة بمدينة تلمسان العريقة ،أمه هي فاطمة بنت ساري حاج الدين القاضي الشرعي في تلمسان ، أما أبوه فيدعى أحمد ويتميز بقامته الطويلة التي تتجاوز مترين وعشر سنتيمترات ،وقد كلفه سكان مدينة تلمسان بحراسة ضريح الولي الصالح سيدي بومدين لتقواه و ورعه . ·طفولته : درس مصالي الحاج في المدرسة الأهلية الفرنسية في تلمسان ،فكان يتألم كثيرا لمدى اهتمام المدرسة بتاريخ فرنسا وتلقينه للتلاميذ في الوقت الذي غيب فيه تماما تاريخ وجغرافية وطنه ، ولاحظ الطفل أحمد الفرق الشاسع بين ما يتلقاه في المدرسة عن الحضارة والعدل الفرنسيين وما يشاهده في الواقع من اهانة واستغلال للجزائريين ، فأصبح التلميذ مصالي شديد الغضب يثور لكل صغيرة وكبيرة تمس زملاءه التلاميذ فلقب بــ"محامي القسم" مما دفع إدارة المدرسة إلى طرده سنة 1916.   كما تلقى مصالي الحج تربية دينية في زاوية الحاج محمد بن يلس التابعة للطريقة الدرقاوية بتلمسان .                           مارس الطفل أحمد إلى جانب دراسته عدة أعمال لمساعدة عائلته الفقيرة ، فاشتغل حلاقا فاسكافيا ثم بقالا وعمره لا  يتج…

مذكرات الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد

مذكرات الشاذلي بن جديد "ملامح حياة"- الجزء الأول .بن بلة كان يحب الدسائس وهو من ألّب شعباني ضد بومدين
 بومدين كان يرفض مغادرة الجزائر خوفا من غدر الرئيس بن بلة صرخة "سبع سنين بركات" كانت كافية لإطفاء فتنة صائفة 62
كانت خطواتي الأولى في عالم السياسة تحت تأثير الوالد الذي كان مرشدي الحصيف في هذا الميدان، كنت، بالطبع، أسمع بأسماء مصالي الحاج وفرحات عباس والشيخ الإبراهيمي، لكنني لم أكن أدرك، في مثل سني، مغزى الصراعات التي كانت تجري آنذاك بينهم وبين الإدارة الإستعمارية، كان مستوى النقاش السياسي يتجاوز حدود مداركي. لذا كان علي أن أتعلم بنفسي.
وجدتني وأنا بعد شاب يافع أدخل عالم السياسة من باب الإنتخابات. فقد شجعني والدي على المشاركة كمراقب في انتخابات 1947 التي جرت بعد مصادقة البرلمان الفرنسي على القانون الأساسي للجزائر الذي رفضته كل الأحزاب الوطنية. واختارني لأداء تلك المهمة معلم فرنسي كان يرأس مركز الإنتخابات في أولاد دياب لحثهم على التصويت على لوائح الحزب، وإفشال التزوير الذي كنا نخشى منه، كانت أول تجربة لي اكتشفت خلالها المبادئ الأولى للعمل الحزبي، وأهمها الدعاية السيا…

الملف : مصالي الحاج ، الزعيم الجزائري المظلوم

مصالي الحاج : أبو الأمة إنهالزعيم الوطني الكبير مصالي الذي أفنى حياته في السجون و المعتقلات والمنفى دفاعا عن الجزائر و الجزائريين و لكنه مات غريبا في فرنسا التي كافحها منذ العشرينيات والمأساة الكبرى تكمن في أنه مات محروما من الجنسية الجزائرية ، و حتى السلطات الجزائرية التي وافقت عند وفاته سنة 1973م على دفنه في الجزائر اشترطت أن يتم ذلك في صمت تام بعيدا عن كل الأضواء ولكن أبى أهله وأصدقاؤه إلا أن يكسروا جدار الخوف و استقبلوا جثمانه بحماس كبير مرددين نشيد حزب الشعب "فداء الجزائر" وسط زغاريد النسوة و في جو من الحسرة و الخشوع بأعين دامعة و قلوب تعتصرها الآلام . و قد ظل الحصار مضروبا على الرجل حتى و هو ميت في قبره إذ منعت السلطات كل من حاول تنظيم الندوات التي تتناول حياته و نضاله ، كما منع الترخيص بالنشاط لحزب الشعب الجزائري غداة إصدار قانون "الجمعيات ذات الطابع السياسي" سنة 1989م بسبب واه تمثل في " السلوك المضاد للثورة أثناء حرب التحرير" و هي تهمة تعني الخيانة للوطن رغم أن المؤرخين لم يثبتوها،وإنصافا لهذا الزعيم المظلوم نريد أن نميط اللثام عن بعض جوانب حياته ا…