إذا سكت أهل الحق عن الباطل ظن أهل الباطل أنهم على حق
Nouveau : Messali Hadj ( 1898 - 1974 ) : De la naissance d'un leader nationaliste maghrebin par : El Hassar Bénali journaliste et auteur. Secrétaire général du premier colloque international sur Messali Hadj organisé en 2000 à Tlemcen... Lisez l'article en trois parties sur nos pages

السبت، 17 مايو، 2014

إقرارُ هويتين مختلفتين يهدّد وحدة الجزائر - بقلم الدكتور أحمد بن نعمام.

الحل في تعدّد اللهجات ووحدة اللغة المكتوبة.. الدكتور أحمد بن نعمان

الدكتور أحمد بن نعمان
هذا ما يجعلنا نقسم الاستقلال الوطني إلى قسمين اثنين، لا يستقيم ولا يدوم وجود أحدهما إلا بوجود الآخر ألا وهما:
أولا- استقلال الجنسية:
ثانيا- استقلال الهوية: وبالمثال التالي والسؤال يتضح المقال....
هل النمسا فرنسية؟ فالجواب يكون بالنفي قطعا.
وهل النمسا ألمانية؟ فالجواب يكون بالنفي بالنسبة للجنسية ولكنه يكون بالإثبات بالنسبة للهوية الثقافية، شأنها في ذلك شأن ألمانيا الشرقية والغربية سابقا، وشأن سوريا ولبنان والكويت والعراق واليمنين (سابقا) والأردن وفلسطين وبلاد المغرب العربي عموما... التي وردت في شأنها مادةٌ جوهرية في بيان أول نوفمبر 1954 خاصة بالانتماء والهوية تقول "تحقيق وحدة شمال إفريقيا في إطارها الطبيعي العربي الإسلامي"، ونلاحظ هنا الإعلانَ الصريح عن الانتماء الطبيعي والهوية الوطنية ذات الأصل الثقافي والبُعد الجغرافي، والطبيعي (أي العربي الإسلامي بداهةً)، وليس الإفريقي أو المتوسطي أو حتى النوميدي، فضلاً عن الروماني أو اللاتيني أو "الفرنكوفوني"، وهو عين العلم والتاريخ، والواقع الجيوسياسي، منذ نجم شمال إفريقيا، وحزب الشعب الجزائري، ومكتب المغرب العربي في القاهرة، وحتى اندلاع الثورة المباركة... وإن الاختلاف اللغوي الرسمي والمؤسساتي في المكان لا يوجد له دواء غير الصراع الدائم أو الزَّوال الحتمي لأحد الطرفين أو للاثنين معا لصالح ثالث.
ولذلك فإن رفع لُبس هذه المغالطة (الثلاثية) يكمن في أن الهوية الوطنية الجزائرية أو المغاربية والعربية عموما في الاتجاه العمودي التاريخي في الزمان هي أمازيغية عربية إسلامية، أو بابلية عربية إسلامية، أو سريانية عربية إسلامية، أو فرعونية عربية إسلامية، أو كنعانية عربية إسلامية... ولكنها في الاتجاه الأفقي في المكان هي عربية إسلامية فقط، وأي طرح غير هذا، لن تكون نتيجته غير تمزق الوطن الواحد، أو القطر الواحد، إلى أشتات وشراذم لا حصر لها من الهويات والقوميات؛ وذلك لأن اللغة الوطنية والرسمية، في نفس المكان والزمان، هي عنوان السيادة ومرآة السياسة والهوية الموحدة، وهذه الأخيرة لا تقبل التعدد على الإطلاق.
تعدد اللهجات، العربية أو البربرية، مقبول مع وحدة اللغة المكتوبة، وتعدد اللغات المكتوبة وخاصة الرسمية في دولة واحدة وأمة واحدة لا يستقيم مع وحدة الشعب ووحدة الوطن ووحدة الهوية على الإطلاق.
ولتبيان ذلك للذين يهمهم أمر الأمة ومصيرها وتاريخها، وتوضيح المعنى الحقيقي للاستمرارية التاريخية للشخصية والهوية الوطنية الجزائرية (الأمازيغية العربية الإسلامية)، فإننا نتمثل بعملية تلقيح الأشجار في العلوم الطبيعية، والتلقيح هنا ثقافي بالدرجة الأولى، وليس عضويا لأن التلقيح العضوي ثانوي جدا، بما يسمح لنا أن نقول: بأن العرب ذابوا عرقيا في البربر والبربر ذابوا ثقافيا في العرب وان التطعيم  -كما نعلم- يتم بنقل فرع من شجرة معينة ومختارة، ليطعم به جذع شجرة أخرى لها وجود وجذور ممتدة في أعماق الأرض، ما شاء لها التاريخ أن تمتد ...والتطعيم يَحتمل النجاح ويحتمل الفشل، كما أن له شروطا من جملتها التقارب والتشابه في فصيلة الشجرة والنوع، أي تطعيم نوع من الشجر مع نوع مشابه له في الفصيلة وليس تطعيم نوع من الشجر مع نوع من الحجر...
وإذا ما نجح التطعيم نجاحا كاملا، وكبرت الشجرة المطعّمة، فيصبح جذرها من نوع وبقية الكيان (الجذع والأغصان والثمار) من نوع آخر، بمعنى أن ما تحت التراب نوع، وما فوق التراب نوع أخر، وكما لا تستطيع الشجرة أن تنفصل عن جذرها أو تغيره ولو أرادت (على اعتبار أن التطعيم يتم في الجذع وليس في الجذر) فكذلك يظل من المستحيل أن يكون للشجرة وجودٌ ملموس لو قُطعت من مستوى التربة (أي من مكان التطعيم الذي أزالت معالمه القرون وصيرت الجذع كتلة عضوية واحدة) علما بأنها ستعطي نفس الثمار حتى ولو شُقت أو قُطعت، وتبقى النتيجة الوحيدة لعملية القطع أو الشق هي تأخر نمو الشجرة أو قتلها، وليس تغيير نوع الشجرة ككل.
إن عدم التفريق بين استقلال الجنسية واستقلال الهوية مع التواطؤ الخياني من بعض المستوطنين أو "الكولون" الجدد من ذوي الجنسية الجزائرية هو الذي نقل الهوية الوطنية من قضية بيداغوجية في الستينيات إلى قضية إيديولوجية الآن تعود إليها جل الاضطرابات الظاهرة والمقنّعة التي تعيشها الجزائر في الوقت الحاضر، والتي قد تستمر فيها مستقبلاً إذا لم يُطبق الدستور (مثل فرنسا في فرنسا) ويفصل به وفيه ميدانيا وفعليا بين الشرف والعلف والغاية والوسيلة والأمة والقبيلة.
علما بأن تعدد اللهجات،العربية أو البربرية، مقبول مع وحدة اللغة المكتوبة، وتعدد اللغات المكتوبة وخاصة الرسمية في دولة واحدة وأمة واحدة لا يستقيم مع وحدة الشعب ووحدة الوطن ووحدة الهوية على الإطلاق. ولقد لخصنا ذلك بعد انشطار قبرص منذ عقود في مقولة نصها: "لا وحدة وطنية بدون وحدة لغوية"، وقلنا حينها "قبرص التركية لن تصبح قبرصية"، ولم يوجد ما ينقض هذا الطرح إلى حد الآن...

المثلُ الأوكراني
آخر مثل لنا هو ما وقع في جمهورية أوكرانيا التي احتلَّ جزء منها بين عشية وضحاها من طرف دولة عظمى هي روسيا بسبب اختلاف اللغة لدى بعض سكان جزيرة القرم الذين يتحدثون باللغة الروسية، التي أعطت لهم الشعور بأنهم أصحاب هوية روسية وليست أوكرانية، ولعل خطوة الرئيس الروسي فيلاديمير بوتين بمنح الجنسية الروسية لكل من يتحدث اللغة الروسية في أوكرانيا أفضل دليل على ذلك، وهي الخطوة التي لم تأت من فراغ بل جاءت نتيجة لإيمان الروس بأن وحدة اللغة هي أقصر طريق نحو وحدة ترابية ووطنية، وهي النظرية القومية الألمانية ذاتها من عهد فيخته وهردر إلى حزب هتلر الذي كان يعتبر أن حدود ألمانيا هي حدود اللسان الألماني في كل مكان.
وما وقع بجزيرة القرم في الشهر الماضي بأوكرانيا، وما يزال قائما في بعض مناطقها الشرقية الناطقة بالروسية حتى هذه اللحظة هو بالضبط ما وقع في الجزائر قبل 1962 وما قد يقع في المستقبل بكيفية معكوسة، إن تغيرت أو تعددت اللغة الوطنية والرسمية للجزائريين، ووقع التلاعب بها لصالح أي لغة أخرى، وهو ما يقوم به أعداء الجزائر في الوقت الحاضر، وقد نبهنا إلى هذا الوضع المنذر اليوم منذ أكثر من ثلث قرن في بعض كتبنا الخاصة بهذا الموضوع مثل "الهوية الوطنية" و"مصير وحدة الجزائر" بل ونبّه إليه قبلنا قادة الثورة في بيان أول نوفمبر الخالد الذي أكّد بشكل لا ليس فيه وبطريقة مباشرة على "احترام جميع الحريّات الأساسية دون تمييز عرقي أو ديني" مع ملاحظة عدم وجود كلمة "لغوي" في هذا البند من البيان، وهو ما يعني صراحة أن البيان النوفمبري، الوحدوي والسيادي، يقرّ بحرية الاعتقاد وتعدّد الأديان داخل المجتمع، كما يقرّه الإسلام ذاته بمبدأ "لا إكراه في الدين" المنصوص عليه في القرآن الكريم.
ولكن بيان أول نوفمبر يرفض التعدد اللغوي الرسمي، لأنه هو الفيصل القاطع في السيادة، مثلما هو الحال في فرنسا ذاتها رغم وجود عدة لغات محلية وجهوية (من ذات الأصل الغالي، وغير الغالي) متعايشة مع اللغة الوطنية والرسمية الوحيدة هناك، وأن التلاعب في عامل اللغة أو التلاعب به سيؤدي حتما إلى ما لا يقبل التعدد على الإطلاق ألا وهو الهوية. ونذكّر هنا بموقف مجلس الشيوخ الفرنسي، الذي رفض يوم 18/06/2008 الاعتراف باللغات الجهوية بفرنسا، واعتبر الاعتراف بهذه اللغات تهديدا مباشرا للوحدة الوطنية الفرنسية، وهو نفس الموقف الذي أكدته كل الحكومات الفرنسية يـمينا ويسارًا دون استثناء.
ولذلك نقول إن فرنسا المادية طردها كل الجزائريين الوطنيين المخلصين، ومخلفاتها الثقافية يجب أن تُطرد وتصفى من قبل كل الوطنيين المخلصين أيضا، وإذا كانت المواطنة بالجنسية فالوطنية لا تكون إلا بالتضحية، والباب يظل مفتوحا أمام كل مواطن كي يصبح وطنيا بالمساهمة الفعالة والمخلصة في تحقيق استقلال الهوية الوطنية، وفي مقدمة هذه العملية هو القضاء على المخلفات الثقافية للاستعمار الفرنسي، والمتمثلة في سيادة لغته في البلاد، ولا سيادة وطنية بدون سيادة اللغة الوطنية على الإطلاق. وفرنسا على أرضها خير نموذج وأقوى دليل على ذلك، علما بأن الوطنية الحقة وحب اللغة الفرنسية والتشبث بالدفاع عنها ضدّان لا يلتقيان أبدًا إلا على التراب الفرنسي.
إن الذين يحاولون اليوم تمزيق وحدة الشعب والأمة في الجزائر بالبحث عن هوية أو هويات أخرى جديدة هم الذين كانوا يفرنسون الجزائر تحت شعار "اللغة وسيلة"، وعندما وصلوا إلى الإفلاس المادي والمعنوي وبدأت الجزائر تدرك الخطر وتحاول استرجاع أهم مقومات هويتها والمتمثل في تعميم استعمال اللغة الوطنية والرسمية، بدأوا يبحثون عن البديل اللغوي المكتوب من العدم للتمكين للغة العدو من اكتساب الشرعية في السيادة التي لم تكن تحلم بها حتى أثناء الاحتلال الفرنسي الطويل والمباشر.

الملكة والوصيفات
لقد كان من المفروض، لو توفر الحس الوطني، الذي كان سائداً أثناء الكفاح المسلح، أن يواصل العمل بعد الاستقلال من أجل إتمام عملية تقوية وتحصين الهوية الوطنية تجاه العدو المشترك، بدلا من محاولة خلق أوضاع لغوية مصطنعة لصالح هذا العدو ذاته، وما يجب التأكيد عليه هنا هو، ان اللغة الفصحى في أية أمة هي بمثابة الملكة التي لا تقبل التعدد، واللهجات أو اللغات الشعبية المحلية هي بمثابة الأميرات أو الوصيفات المساعدات للملكة في الأمور العادية (غير الرسمية) وإذا أمكن أن تقوم الفصحى بأعمال الأميرات أو الوصيفات، فإنه لا يمكن لهؤلاء أن ينُبن عن الملكة في المسائل السيادية الرسمية، لأن الملكة واحدة، بينما الأميرات متعددات، ويمكن أن تنوب الواحدة منهن عن الأخرى دون أي ضرر أو أثر سلبي على حياة الدولة والأمة، بينمـا لو تصبح أية وصيفة  ملكة فإن أولى النتائج المترتبة على ذلك هو أن تطلب شعبًا تحكمه أو تحكم به، وهذا هو الخطر الحتمي التي يجب التنبيه إليه والتذكير به الذين يؤمنون والذين يعلمون أو لا يعلمون، مع التأكيد دائما على أن الصراع عندنا هو بين اللغة العربية والفرنسية، وليس بين ابية وأيّ لغات أو لهجات محلية عربية على الإطلاق فابن خلدون الأندلعرلسي الأصل والتونسي المولد درس ودرّس في بجاية بالعربية على أيدي الأجداد الأمازيغ الأحرار، وكان يقضي حوائجه في السوق بالعامية (العربية أو القبائلية) دون أي عائق فرنكوفوني، مثل مفدي زكريا وصالح خرفي بالنسبة للأمازيغية المتداولة في واد ميزاب محليا، بينما أشعار الاثنين الوطنية الخالدة كلها باللغة العربية الجامعة، وكذلك مولود قاسم والشيخ عبد الرحمان شيبان وغيرهما بالنسبة للقبائلية...
ما وقع بجزيرة القرم في الشهر الماضي بأوكرانيا، وما يزال قائما في بعض مناطقها الشرقية الناطقة بالروسية حتى هذه اللحظة هو بالضبط ما وقع في الجزائر قبل 1962 وما قد يقع في المستقبل بكيفية معكوسة، إن تغيرت أو تعددت اللغة الوطنية والرسمية للجزائريين، ووقع التلاعب بها لصالح أي لغة أخرى، وهو ما يقوم به أعداء الجزائر في الوقت الحاضر.
وعندما نتحدث عن العموميات الثقافية وعن الهوية لأي شعب كان، فالذي يهمنا هو القاعدة العامة والغالبة المتبوعة وليس الاستثناء التابع والخاضع الموجود في معظم المجتمعات والأمم، وأن ما يجب أن يعمل من أجله كل أبناء الأمة الواحدة والموحدة، هو مواصلة الجهاد من أجل الحيلولة دون تحول الاستثناء إلى "قاعدة" معطِّلة أو معرقلة في غياب الاختيار الشعبي الحر والنزيه مثل الذي وقع في الجزائر يوم 3/7/1962، بالنسبة لتقرير مصير الشعب الجزائري المستقيل والمختلف دينا ولسانا عن الشعب الفرنسي المغاير، بمقتضى نص البيان النوفمبري المذكور آنفا... والذي يقول "الاعتراف بالجنسية الجزائرية بطريقة علنية ورسمية ملغية بذلك كل القرارات والقوانين التي تجعل من الجزائر أرضًا فرنسية التاريخ والجغرافيا واللغة والدين والعادات للشعب الجزائري"، ونعتقد أن هذا الرفض القاطع للجنسية الفرنسية وهويتها اللغوية والدينية والثقافة، من أصحاب البيان، والذي يقرّ صراحة بأن للجزائر هوية وشخصية متميزة عن الكيان الغاصب تتكامل فيها كل المقومات التاريخية والجغرافية واللغوية والدينية والثقافية التي تجعلها غير فرنسية، وتمد بالتالي أبناءها المجاهدين وقادتها السياسيين بمشروعية المطالبة بالاستقلال التام عن فرنسا، وإفحام ساستها بالحجج الدامغة في المحافل الدولية، وإذا لم تكن لغة الشعب الجزائري هي الفرنسية، كما ينصُّ البيان، ولم يكن دين الشعب الجزائري هو المسيحية كما ينصُّ البيان أيضا، فما هو بديل هذه اللغة وبديل هذا الدين غير العربية والإسلام بالمفهوم النوفمبري، وليس المفهوم الديسمبري؟
وإذا أمكن للمرء أن يكتسب عدة جنسيات ورقية وجوازات سفر في الوقت ذاته، فإنه لا يمكنه أبدا أن يكون ذا هويتين مختلفتين في المكان والزمان ذاته، وذلك لأن الهوية مثل الأم والشعب مثل الطفل، ومثلما لا يُعقل أن يكون للطفل أمّان اثنتان أو ثلاث، فلا يعقل أيضا أن يكون للشعب الموحد الأصيل هويتان مختلفتان أو أكثر، فإما أن يكون الشعب ذا هوية واحدة أولا يكون على الإطلاق، وهذا هو ميدان جهاد كل المخلصين في هذا الوطن المفدّى المهددة أركان وحدته من الداخل بالتجاهل أو التغافل أو التخاذل أو التواطؤ الخياني من بعض نواب الفاعل، الذين قال عنهم الجنرال ديغول في كتابه "الأمل" (ص 49) "لا نتركهم بعيدين عن أعيننا وقلوبنا لأنّهم يتحدثون لغتنا ويتقاسمون معنا ثقافتنا"، وقال في الصفحة ذاتها من الكتاب "ستبقى الجزائر فرنسية"، وما الهوية الوطنية كما أسلفنا إلا ثقافةٌ معيشة في الميدان ومتأصِّلة في الأذهان ومُعبَّر عنها باللسان.
ونعتقد أن أوكرانيا "الروسية" أسطع برهان على ذلك بأفصح لسان وأوضح بيان لغير الصم والعميان.
وإذا استطعتم أن تسمّوا الفرنسية والإسبانية والكاتالانية لاتينيةً، فسموا الميزابية والتارڤية والقبائلية أمازيغية؟!

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق