إذا سكت أهل الحق عن الباطل ظن أهل الباطل أنهم على حق
Nouveau : Messali Hadj ( 1898 - 1974 ) : De la naissance d'un leader nationaliste maghrebin par : El Hassar Bénali journaliste et auteur. Secrétaire général du premier colloque international sur Messali Hadj organisé en 2000 à Tlemcen... Lisez l'article en trois parties sur nos pages

الخميس، 14 نوفمبر، 2013

الملف : قراءة في مذكرات، جنينة مصالي حول مسيرة نضال والدها مصالي الحاج

بوضياف عدو مصالي و سعى لتصفيته جسديا 
للوهلة الأولى عند قراءة مذكرات السيدة جنينة مصالي، ابنة مصالي الحاج، المقيمة حاليا بكندا، ينتاب المرء إحساس عميق ومؤثر وهو يعيش محطّات تاريخية هامة مع شخصية مصالي الحاج، الذي خانته الذاكرة الوطنية، كما يحلو للكاتبة أن تردده دائما، بالنسبة لها لم يكن مصالي شخصية عادية أو هامشية في تاريخ الجزائر حتى يعيش مصيره المؤلم في المنفى الإجباري، وفي الذاكرة الجماعية للجزائريين إنه بدون منازع أبو الوطنية الجزائرية وأحد أبرز الوجوه في القرن العشرين.
بالرغم من بعض التحفظات على ما ذكرته ابنة مصالي الحاج، حول بعض القضايا التاريخية، بالنظر إلى صغر سنها آنذاك، فهي من مواليد 1938، ولم تعايش كل مراحل النضال السياسي لوالدها، ولم تساير جميع المحطات التاريخية الهامة لنضال الحركة الوطنية، وكان اعتمادها بشكل كبير على ما كتبه المؤرخ حربي أو ستورا.

إلا أن هذا لا ينقص من قيمة الكتاب من ناحية أنه يرسم لنا صورة لنضال عائلة مصالي الحاج، من أجل القضية الوطنية على مدار تسعة فصول موزّعة تقريبا على 400 صفحة، تنقلنا جنينة مصالي، في مذكراتها من محطة إلى أخرى لنعيش حياة مناضل وطني بحجم مصالي الحاج من أجل قضية وطنه
وهو على فراش المرض والموت، كان مصالي دائما يوصي ابنته جنينة بكتابة التاريخ على حقيقته والدفاع عن نضاله الوطني، الذي قبر في الذاكرة الجماعية بشهادة وفاة مزوّرة
مصالي طالب بالاستقلال في 1927 ورسم ورفع أول علم جزائري في 1934
تبدأ جنينة مذكراتها بالحديث عن التحوّل الكبير الذي عرفته شخصية والدها خلال فترة أدائه للخدمة العسكرية الإجبارية سنة 1918، في ثكنة كورسول ببوردو برتبة ضابط صف، حيث تعرّف على بعض الجزائريين الذين سيكونون فيما بعد النّواة الأولى للنضال السياسي للحركة الوطنية  . 
في هذه الأثناء كان مصالي شخصية تعارض الحروب، وبدا متأثرا بكتابات رومان، روزا لوكسمبورغ، أندري بروتون، لقد اكتشفت من خلال هذه الكتابات فرنسا بتاريخها وشعبه، كما بنى تصورّه الإيجابي عن فرنسا من خلال علاقته بعائلة  كويتو في مدينة بوردو، انبهر مصالي بالثروة الفلاحية وبالقصور الفخمة، بالمسارح وأيضا بجامعاتها التي سجّل بها لدراسة اللغة العربية، لقد تركت بوردو في نفسه أثرا طيبا، ولذلك كان يغتنم كل فرصة لزيارتها من جديد
هذا الازدهار العمراني والثقافي الذي شاهده مصالي في بوردو، كان في نفس الوقت فرصة ليستحضر المأساة والفقر الذي شوّه الوجه المشرق لمدينة تلمسان مسقط رأسه، لقد وجد مصالي أن نعيم فرنسا قد بني من النّهب الذي تعرّضت له الجزائر بعد الاحتلال  . 
سنوات الخدمة العسكرية في بوردو سمحت له بأن يربط علاقة صداقة مع بعض الفرنسيين من أمثال الضابط م. آليس الذي عرّفه بكثير من القضايا وخاصة الدولية منها
مصالي يرأس نجم شمال إفريقيا في 1923 ويطالب بالحرية في 1927 
بعد تنقله إلى باريس سنة 1923 تعرّف مصالي على السيدة  Emilie Brusquant التي صارت زوجته، فيما بعد وشريكته في العمل والنضال السياسي
تقول جنينة إن والدها الشاب الطموح صار بعد ثلاث سنوات فقط وهو لم يتجاوز سن 28 عاما، على رأس اتحاد نجم شمال إفريقيا، لكن نقص خبرته السياسية والنضالية، دفع بالحاج علي عبد القادر، أحد أعضاء الحزب الشيوعي الفرنسي، إلى أن ينصح مصالي بالانضمام إلى الحزب الشيوعي لتعلم مختلف فنون النضال والتنظيم السياسي
عبان رمضان كان ضد النزعة البربرية وصفى بناي واعلي أحد نشطائها
خلال المؤتمر الشيوعي العالمي الثالث في 10 فبراير 1927 ببروكسل، شارك مصالي الحاج ممثلا لنجم شمال إفريقيا ضمن وفد الحزب الشيوعي الفرنسي برئاسة الأمين العام Pierre Sémard..  ، في هذا المؤتمر ألقى مصالي أول كلمة له من 15 دقيقة، استمع فيها الحاضرون إلى هذا الشاب الجزائري الذي طالب لأول مرة بالحرية لبلده الجزائر، وفي سنة 1933 أصبح نجم شمال إفريقيا حزبا مستقلا عن الحزب الشيوعي الفرنسي، ببرنامج سياسي واضح: الاستقلال مجابهة الامبريالية، المرور نحو دستور سيّد يضمن الحريات الديمقراطية  . 
خلال هذه الفترة، أسس مصالي صحيفته وعلما جزائريا، هنا تذكر جنينة مصالي، أن والدتها بحكم عملها بشركة للرسم الصناعي، كانت أكثر الناس تأهيلا لوضع شكل العلم الجزائري، الذي رفعه مصالي لأول مرة في 5 أوت 1934، خلال عقد الجمعية العامة لنجم شمال إفريقيا  . 
فرنسا تقمع مجموعة مصالي وأفكاره التحررية
في الفصل الثاني من هذه المذكرات، تحدثت جنينة عن المتابعات القضائية المتكررة للسلطات الفرنسية ضد قيادات الحزب، حيث تم اعتقال المقربين من مصالي كعمار إيمعبش وبلقاسم رجّاف، وهو ما دفع بمصالي إلى اللجوء إلى جنيف بعد خروجه من السجن في ماي1935، إلى حين استقرار الأوضاع وعودة الجبهة الشعبية من جديد إلى الحكم، لكي يتمكن من استئناف نشاطه مجددا في باريس.   
خلال فترة 6 أشهر قضاها بسويسرا، تقدم لنا ابنة مصالي صورة عن الدور الكبير الذي قامت به والدتها السيدة Emilie في تأمين صدور جريدة الأمة التابعة للحزب، وإخبار مصالي بآخر التطورات السياسية بفرنسا، وكذلك تأمين الاتصال السري بينه وبين باقي إطارات وقيادات الحزب. كما أشارت الى تعرف مصالي في جنيف، على أمير البيان العربي شكيب أرسلان، الذي حث مصالي على الاهتمام أكثر بقضايا الأمة العربية وتبنّيها
 والدي لم يكن تسلطيا بل رفض الزعامة
 في هذه المذكرات تطرقت جنينة مصالي، إلى مسألة جد هامة لطالما كانت مفصل الخلاف بين جميع المؤرخين، وهي قضية الزعامة، وتقول إن والدها لم يكن أبدا تسلطيا ولم تراوده أبدا فكرة من هذا النوع، ذلك أن مصالي وهو في إقامته الجبرية استقبل مصطفى سطمبولي، ممثل الحزب في معسكر، وعبد القادر علوان من الأبيار، حيث طرحا عليه فكرة انتخابه رئيسا مدى الحياة، وهي الفكرة التي لم يتحمس لها مصالي كثيرا.   
وتقول جنينة إن صاحب هذه الفكرة، مصطفى سطمبولي، صار فيما بعد عضوا في المجلس الوطني للثورة وكاتب دولة في الحكومة المؤقتة، وأن هذه الفكرة كانت ذريعة غير مؤسسة لخصوم مصالي لاتهامه بالتسلط وحب الزعامة  . 
 النفي للقضاء على الفكر التحريري  
وتوضح جنينة بأن قوة مصالي وشخصيته الوطنية كانت محل اهتمام، ولذلك فقد اعتمدت منذ 1945 سياسة النفي والاعتقال ضد مصالي، مرة نحو برازافيل في إفريقيا، ومرة في الإقامة الجبرية بنيور، عقابا على انتصار الحزب في الانتخابات بالشرق الجزائري وصعود النزعة الوطنية الاستقلالية لدى عامة الشعب الجزائري، وتضيف جنينية "لقد أرادت فرنسا من سياسة النفي هذه إبعاد مصالي عن الجزائريين، وإطلاق يد المطالبين بالإصلاح من داخل حزب الشعب ليكونوا أكثر قوة وتأثيرا منه".
 الاستعمار وراء النزعة البربرية وعبان رمضان صفى بناي واعلي
وعن الأزمة البربرية التي عصفت بالحزب سنة 1949، ترى جنينة مصالي أن الاستعمار الفرنسي وقف وراءها، والذي أراد أن يشتت وحدة الحركة الوطنية المطالبة بالاستقلال، مشيرة الى أن الأزمة البربرية لم تكن أزمة هوية وطنية، ولكنها كانت أزمة داخلية في الحزب بفدرالية فرنسا، افتعلها شاب متأثر بالثقافة الفرنسية رشيد علي يحيى، وسار خلفه بعض المنتمين للحزب مثل بناي واعلي، الذي كان على رأس الحزب في مدينة سطيف، والذي وشى بجميع أعضاء المنظمة السرية الخاصة للشرطة الفرنسية، بعد اعتقاله التحق بصفوف الأفلان فيما بعد، لكن جرت تصفيته سنة 1957 بجبال القبائل بسبب مواقفه البربرية المتطرفة، وتم اغتياله من طرف عبان رمضان، الذي كان ضد الحركة البربرية.
 إقصاء لمين دباغين والتفاوض مع بن بلة وخيضر لإعلان الثورة
في إطار الأزمات التي عصفت باستقرار الحزب، تذكر جنينة قضية الدكتور محمد لمين دباغين، الذي أبعد عن الحزب بسبب خلاف شخصي بينه وبين مصالي الحاج، حيث أراد كما تقول إدخال الحركة في اللعبة الفرنسية والمشاركة في الانتخابات، كما حاول جمع بعض الشباب من حوله ليطرح نفسه بديلا عن مصالي الحاج كزعيم للحركة الوطنية.
القاهرة أجهضت تفاوض مصالي مع بن بلة وخيضر للم شمل الحركة الوطنية
تفاقم الأزمة الداخلية للحزب أرقت مصالي، لخطورتها على النضال ولذلك حاول في أكتوبر 1954 التفاوض مع بن بلة وخيضر للم شمل الحركة الوطنية وإعلان الكفاح المسلح، فأرسل وفدا إلى القاهرة مكونا من أحمد مزغنة وعبد الله فيلالي عابد، لكن المهمة فشلت إذ تم اعتقال الوفد من طرف السلطات المصرية بمطار القاهرة.
 بوضياف ثار على مصالي ثم اعترف بخطئه قي حقه
في محطة مهمة، تنقلنا جنينة مصالي للحديث عن محمد بوضياف، الذي قرر من دون استشارة مصالي، التحضير للعمل المسلح رفقة الأعضاء السابقين للمنظمة الخاصة، وهنا تتهم جنينة محمد بوضياف، بكونه الخصم اللدود لوالدها، حيث استنفد جميع السبل لتصفية مصالي الحاج جسديا في سباق زمني مع الساعة قبل أول نوفمبر.
غير أنها تقول "ثلاثون سنة بعد إندلاع الثورة، وبعد أن ذاق بوضياف مرارة المنفى، كما ذاقه مصالي، اعترف بأنه كان مخطئا "في حق والدي، وحاول مرارا أن يتقرب من عائلتنا بوساطة من صديق العائلة الشيخ الحسين بن ميلي"، وكرد فعل مباشر على اندلاع الثورة تقول جنينة، قرر       والدها تأسيس MNA (الحركة الوطنية الجزائرية ) بنفس أهداف حزب الشعب، والسعي لإعادة جميع بقايا أعضاء حزب الشعب وحركة انتصار الحريات الديمقراطية التي انتهت رسميا في 5 نوفمبر 1954، حيث التف باقي المصاليين في الجزائر حول الحركة الجديدة، مثل العربي أولبصير ومختار زيتوني ومحمد بلونيس، الذين اختاروا العمل الميداني في الجزائر.
مصالي الحاج أبو الاستقلال.. رفض الزعامة وانتهى بشبهة الخيانة
وحاولت الحركة الوطنية في البداية الاتصال بجميع مكونات النضال السياسي الوطني، جمعية العلماء وفرحات عباس، وأيضا الاتصال ببعض قيادات الأفلان بالقاهرة عن طريق عبد الله فيلالي، لتوحيد الصف خلف قيادة الحركة الوطنية الجزائرية، لكن المساعي باءت بالفشل. من هنا تتهم جنينة مصالي، الأفلان بممارسة العنف ضد "الأمانا" وضد مصالي الحاج، وذلك بتوجيه من محمد بوضياف، الذي اعتبر مصالي عائقا في وجه الثورة.
 عبان رمضان وكريم بلقاسم حاربا أعضاء (الأمانا
تقول جنينة إن العلاقة بين الأفلان و(الأمانا) عرفت توجها آخر بعد إطلاق سراح عبان رمضان، الذي رسم استراتيجية الاقصاء ضد مناضلي الحركة الوطنية الجزائرية، وبالنسبة لها فإن عبان رمضان وكريم بلقاسم لعبا دورا كبيرا وحاسما في تصفية أعضاء (الأمانا) وإقصائهم من منطقة القبائل.
هذا العنف القاسي الذي واجه به الأفلان مناضلي (الأمانا) كان سببا كافيا بالنسبة لها للجوء (الأمانا) إلى سياسة الدفاع عن النفس ولو أيضا باستعمال القوة المضادة.

رفضت اتهام مصالي بالخيانة واتهمت الحكومة المؤقتة بمحاولة اغتياله
لم تكتف جنينة بذلك، بل اتهمت الحكومة المؤقتة بتدبير محاولة اغتيال لوالدها في 17 سبتمبر 1959، حتى تبقى الوحيدة الممثلة للشعب الجزائري، ذلك أن مصالي لا يزال يرفض أن تتنازل الحركة الوطنية الجزائرية عن تمثيل الشعب الجزائري الرافض للاستعمار.
وتروي جنينة بحسرة كيف تم اتهام مصالي، بالخيانة بعد إعلان استقلال في 1962، هو من ربى الجميع في أحضان الوطنية، لقد كان مصالي فرحا كبقية الجزائريين بالاستقلال، لأنه لم يعتبره يوما استقلال الأفلان بل استقلال للجزائر من نير الاحتلال. ربما لعبت الظروف دورها في نشوب نزاع طويل بين أبناء القضية الواحدة، لكن هذا لا يجب أن يكون دافعا لرفض نتيجة حلم بها الجميع كل بطريقته.
بالنسبة لجنينة مصالي: "لا يوجد رجل سياسي جزائري خدم وناضل من أجل القضية الوطنية كمصالي، حتى الاستعمار نفسه إعترف بوطنية مصالي خلال 76 سنة من عمره 25 سنة فقط قضاها حرا".
نواة مناهضة الاستعمار ولدت في ثكنة كورسول ببوردو، وأعلنت أول مرة من بروكسل
في سبتمبر 1962، أرسل مصالي الأمين العام لحزب الشعب مولاي مرباح، إلى الجزائر للمشاركة في الحياة السياسية والانتخابات، لكنه اعتقل ومورست ضده جميع أنواع التعذيب.
بعد الاستقلال عاش مصالي سنوات المنفى يصارع مرضه وألم الظلم والجور الذي تعرض له من طرف النظام السياسي الجزائري، الذي لم يشفع له تاريخ مصالي الوطني. مهما اتفقنا أو اختلفنا حول مضمون هذه المذكرات، لكن الحقيقة التي يجب أن تقال، هو أن مصالي زرع في الجزائريين رفقة عبد الحميد بن باديس، روح الوطنية والانتماء، كما أيقظ في الجزائريين ضميرهم من أجل المطالبة بالحرية والاستقلال.  لم يكن مصالي رجلا عاديا، بقدر ما كان لوحده صوت الجزائريين "هذه الأرض ليست للبيع".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق