التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الوضع الصحي للرئيس الجزائري : طول الغياب و سير المؤسسات

الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة 
انقضت 40 يوما منذ غياب رئيس الجمهورية عبد العزيز بوتفليقة عن المشهد بسبب المرض، وهي فترة لم تؤثر حسب الأفالان والأرندي وحتى حزب العمال، على السير العادي لمؤسسات الدولة. موقف من الصعب تصديقه لسبب بسيط أن رئاسة  الجمهورية هي القلب النابض الذي يضخ القرارات ويصدر التعليمات ويعلن التعيينات  في مختلف أجهزة ودواليب مؤسسات الدولة، بحكم الصلاحيات الواسعة التي يتمتع  بها رئيس السلطة التنفيذية دون غيره من المؤسسات الدستورية الأخرى. فإن كان  المقصود بالسير العادي لمؤسسات الدولة، مثلما تدافع أحزاب السلطة، هو تحويل أجور الموظفين  في موعدها واستلام شكاوى المواطنين دون حلها، فهو أمر جائز ، أما أن الدولة  تسير ولم ينعقد مجلس وزرائها منذ ديسمبر من العام الماضي، فهذا معناه أن كل القرارات الحساسة والمصيرية حبيسة الأدراج وتنتظر من يفرج عنها.

قوانين مجمدة ومجلس وزراء عاطل 
توقف دوران مؤسسة الرئاسة يوقف القلب النابض للدولة
 لا يعير الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، منذ أن تولى الحكم، أي وزن للمؤسسات لأنه وضع سلطته فوق كل المؤسسات. لذلك يظهر له عاديا أن يشرع بأوامر مستغلا عطلة البرلمان. ويبدو له عاديا أن لا تنطلق السنة القضائية في موعدها الرسمي، كما لا يتحرج في صياغة قوانين غير مطابقة للدستور ولا يجد ما يكبح إرادته في تمديد إقامته في الرئاسة.
لما ألغى عبد العزيز بوتفليقة تسمية رئيس الحكومة في تعديل الدستور لسنة 2008، واستخلفه بتسمية وزير أول وجرده من كل الصلاحيات وأولها التعيين في المناصب، وألغى مجالس الحكومة، لم يجد أمامه وهو يفعل ذلك أية هيئة أو سلطة تقول له بأنه يعطي لنفسه سلطات الملوك والسلاطين. كما لم يجد مجلسا دستوريا يسهر فعلا على مدى مطابقة القوانين مع الدستور، ليلفت انتباهه إلى أن تخصيص كوطة للمرأة في المجالس المنتخبة في قانون خاص بها، هو تصرف يتعارض مع الدستور الذي يفيد بأن كل المواطنين سواسية أمام القانون.
ولا يجد بوتفليقة أي مانع في الدوس على الدستور، الذي يحدد عهدة رئيس المجلس الدستوري بست سنوات لا تزيد ولا تنقص بيوم واحد، إذ اختصر عهدة محمد بجاوي في 2005 وزاد في فترة رئاسة بوعلام بسايح في 2011. ولم يتحرج وهو يتعمد حالة ترقب طويلة  بخصوص تشكيل الحكومة بعد الانتخابات التشريعية الماضية، مفضلا إثارة التخمينات والاحتمالات. ولم يعتبر نفسه ملزما بتقديم تفسير لتصرفات غريبة في تسيير الشأن العام، كالجلسات الرمضانية مع الوزراء مع أن الدستور يحدد نشاطه مع أعضاء طاقمه الحكومي، في آلية اسمها مجلس الوزراء. وحتى هذه الآلية ظهر مستغنيا عنها في السنوات الأخيرة، إلى أن ألغاها نهائيا تاركا بذلك الانطباع بأن الجزائر تسير بدون سلطات تدبَر شؤون الدولة والمواطنين. 
فضلا عن ذلك، تنتظر المئات من المراسيم إمضاء الرئيس، منها ما هو موروث من الوزير الاول السابق أحمد أويحي، الذي ينقل عنه (بعد خروجه من السلطة) أنه رفع للرئيس أكثر من 300 مرسوم خلال فترة توليه التنسيق بين أعضاء الفريق الحكومي، ولم يعد له الرئيس ولا واحدا منها ! . وحتى الوزير الاول الحالي نقل عنه أنه ينتظر عودة العشرات من المراسيم ممضاة من قصر المرادية. ومن المفارقات أن الرئيس رفض التعامل مع نصوص المراسيم المتراصة فوق مكتبه عندما كان في البلاد، ووقع على مرسوم استحداث يوم وطني للصحافة وهو خارجها، ويعاني من المرض!  .
وربما لم يتوقف بوتفليقة مع نفسه لحظة وهو يمارس الحكم المطلق، ليلاحظ أنه اختزل الجزائر ومؤسساتها وهيئاتها ومواردها البشرية كلها في شخصه. لذلك عندما توقف عن النشاط، أصاب الشلل كل الأجهزة بما فيها التي يفترض أن تؤدي دور السلطة المضادة لسلطته كالبرلمان المطالب أن يفتح عاجلا نقاشا جادا، حول مصير مجهول ينتظر الجزائر بسبب الوضع الذي سيتركها عليه بوتفليقة.

قالت إن الحكومة والبرلمان والإدارة تسير عاديا رغم مرض الرئيس  
أحزاب السلطة  ترفض حالة الشغور
رغم دخول غياب رئيس الجمهورية يومه الـ 45، بعيدا عن قصر المرادية، غير أن ذلك لم يمنع أحزاب السلطة من التأكيد بأن مرض رئيس الجمهورية لم يؤثر على السير العادي لمؤسسات الدولة من حكومة وبرلمان وإدارة. فهل فقد رئيس الجمهورية صلاحياته الدستورية الى هذا الحد الذي يحول منصبه الى مؤسسة شكلية؟.
لم ترفض أحزاب السلطة وعلى رأسها الأفالان والأرندي، كل حديث عن المادة 88 من الدستور التي طالبت أحزاب المعارضة بتفعيلها عقب مرض رئيس الجمهورية، بل رفضت أيضاالحديث عن ما يسمى بـ ”حالة الشغور” التي ولّدها غياب الرئيس عن قصر المرادية لأكثر من شهر. وبالنسبة للأمين العام بالنيابة للأرندي عبد القادر بن صالح بمعيةالمنسق العام للمكتب السياسي للأفالان عبد الرحمان بلعياط، وهما الحزبين المشكلين للحكومة، كل مؤسسات الدولة من حكومة وبرلمان وإدارة تسير بصفة عادية ولم تتأثر بمرض الرئيس .
وتستعمل هذه الأحزاب تنقلات الوزير الأول الى الولايات بمعية زيارات الوزراء وكذا استمرار البرلمان في عقد جلساته لطرح الأسئلة الشفوية في غياب مشاريع القوانين الجديدة، على أنها دليل على دوران عجلة سير مؤسسات الدولة وعدم تعرضها للشلل بفعل الوعكة الصحية التي أصابت الرئيس يوم 27 أفريل الفارط وتحويله الى الخارج للعلاج، وهو ما تراه زعيمة حزب العمال لويزة حنون التي أكدت في ردها على سؤال حول صحة رئيس الجمهورية أن حزبها ”لا يتاجر بمرض رئيس الدولة”  وقالت ان الجزائر ”تسير بصفة عادية وليس هناك شغور في السلطة” باعتبار ان ”نشاط الوزير الأول والوزراء لم يتوقف وحتى الجيش يقوم بواجبه مرابطا على الحدود.
وتندرج هذه التصريحات في سياق الابقاء على الوضع الحالي على حاله، بعيدا عن اللجوء الى المادة 88 من الدستور وعدم التفكير في اجراء انتخابات رئاسية مسبقة، مثلما لمح اليها بن بيتور وأحزاب معارضة أخرى وعدم طرح السؤال حول صحة الرئيس في كل مرة، ما يعني أن الجزائر بإمكانها أن تسير فترة الـ 9 أشهر الفاصلة عن رئاسيات 2014 بثلاثة أرباع الرئيس أو بنصفه أو ثلثه. وكان يمكن الأخذ بوجهة نظر المدافعين عن هذا التوجه، لو كان منصب رئيس الجمهورية في الجزائر شكليا، كما هو الحال في الجارة تونس بعد الثورة.أماوأن صلاحيات الرئيس في الدستور تحوز على أكثر من 27 مادة ابتداء من كونه يجسد الدولة داخل البلاد وخارجها وهو القائد الأعلى للقوات المسلحة مرورا بترأسه للسلطة التنفيذية الى رئاسته للمجلس الأعلى للأمن والمجلس الأعلى للقضاء وأنه من يقرر السياسة الخارجية للأمة ويوجهها ومن يعيّن في الوظائف العليا للدولة وغيرها، فإن أي غياب له سيعطل دواليب سير الدولة كلية ويصيبها بالجمود والشلل.

 على النقيض
الحقوقي و البرلماني مصطفى بوشاشي :
الرئيس أخل بواجباته الدستورية ومؤسسات الدولة في وضع غير قانوني
هل تلاحظون تأثيرا لغياب رئيس الجمهورية منذ أربعين يوما على سير مؤسسات الدولة؟
بالنظر للدستور الجزائري وبالنظر للاختصاصات التي يملكها الرئيس طبقا للمادة 74 نجد أن كل الصلاحيات تقريبا في يد رئيس الجمهورية، والوزير الأول مجرد منفذ لبرنامج الرئيس ولا يستطيع أن يقرر السياسة العامة و لا التعيينات ، لذلك نعتقد أن غياب الرئيس يؤثر جدا على عمل مؤسسات الدولة المختلفة، زد على ذلك أنه و خارج الدستور نعرف بأن الرئيس في الجزائر يملك من الصلاحيات الشيء الكثير على كامل المؤسسات الأخرى و يجب القول أنه الشخص الوحيد الذي يمتلك كل السلطات، فإذا استثنينا ما يعرف بالسلطة الفعلية، فإنه بالنظر إلى الواقع والأعراف، فإن غياب الرئيس يؤثر سلبا على سير مؤسسات الدولة وهذا ليس في صالح الجزائر .
لكن الحكومة والدوائر المرتبطة بها تنفي تماما أي تعطيل في سير مؤسسات الجمهورية و كل ما يتعلق بتسيير شؤون الدولة؟
إذا عدنا لتعديل الدستور سنة 2008 نجد أن الرئيس منح لنفسه صلاحيات أخرى و أخل بتوازن المؤسسات ورئيس الحكومة أصبح مجرد منسق بين الوزراء، ومجلس الوزراء الذي يعتبر المحرك حاليا معطل، لكن التعطيل ليس وليد الفترة الأخيرة لمرض الرئيس، فقبل ذلك الوضع لم يكن مختلفا كثيرا فلم يكن الرئيس يجمع دائما مجلس الوزراء و لم يفتتح السنة القضائية  شهر سبتمبر ولم يقم بزيارات للخارج، وحتى لما زار بعض الرؤساء الجزائر بدينا وكأننا من دون رئيس جمهورية، فخلال تواجد الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند في الجزائر، نشط ندوة صحفية لوحده وشرح فيها مواقف فرنسا ودافع حتى عن خيارات معارضة للتوجهات الجزائرية الخارجية، لذلك الرئيس أخل بواجباته الدستورية منذ فترة وليس في المدة الأخيرة فقط .
كيف يمكن وصف الوضعية الحالية في غياب أي مبادرة من مؤسسات الجمهورية ؟
لا توجد مؤسسات حقيقية في الجزائر سواء التنفيذية أو التشريعية والقضائية، كلها مؤسسات ديكورية موالية للرئاسة و بالتالي إذا كانت استمراريتهم و شرعيتهم مستمدة من هذه المؤسسة و من الرئيس و ليس من القانون والشعب فلا أعتقد أنه بإمكانهم التحرك إلا إذا تم الإيعاز لهم، يفترض أن تكون السلطة التشريعية مستقلة، لكن الكل يعرف أن رؤساء المؤسسات التشريعية ينتخبون بعد تزكية الرئيس، كل هذا يجعلنا في وضع غير دستوري و غير قانوني أصلا. 

تعليقات

  1. لم تتعطل لأن الجيش هو الذي يحكم و يسيّر منذ الاستقلال .

    ردحذف
    الردود
    1. صدقت ، لكن الموضوع كتب لنبين أننا دائما خارج مجال التغطية ، و أن القوانين و الدستور شيئان لا معنى لهما في الجزائر ، و أن المسؤولين في بلادنا هم أول من يخترق هذه القوانين التي كانوا قد وضعوها هم بأيديهم على مقاسهم .

      حذف

إرسال تعليق

الأكثر قراءة

المـلـــــف : مصالي الحاج ( المولد ، النشأة و الكفاح )

نشأته
·مولده ونسبه : ولد أحمد مصالي الحاج ليلة 16 ماي 1898 في حي رحيبة بمدينة تلمسان العريقة ،أمه هي فاطمة بنت ساري حاج الدين القاضي الشرعي في تلمسان ، أما أبوه فيدعى أحمد ويتميز بقامته الطويلة التي تتجاوز مترين وعشر سنتيمترات ،وقد كلفه سكان مدينة تلمسان بحراسة ضريح الولي الصالح سيدي بومدين لتقواه و ورعه . ·طفولته : درس مصالي الحاج في المدرسة الأهلية الفرنسية في تلمسان ،فكان يتألم كثيرا لمدى اهتمام المدرسة بتاريخ فرنسا وتلقينه للتلاميذ في الوقت الذي غيب فيه تماما تاريخ وجغرافية وطنه ، ولاحظ الطفل أحمد الفرق الشاسع بين ما يتلقاه في المدرسة عن الحضارة والعدل الفرنسيين وما يشاهده في الواقع من اهانة واستغلال للجزائريين ، فأصبح التلميذ مصالي شديد الغضب يثور لكل صغيرة وكبيرة تمس زملاءه التلاميذ فلقب بــ"محامي القسم" مما دفع إدارة المدرسة إلى طرده سنة 1916.   كما تلقى مصالي الحج تربية دينية في زاوية الحاج محمد بن يلس التابعة للطريقة الدرقاوية بتلمسان .                           مارس الطفل أحمد إلى جانب دراسته عدة أعمال لمساعدة عائلته الفقيرة ، فاشتغل حلاقا فاسكافيا ثم بقالا وعمره لا  يتج…

مذكرات الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد

مذكرات الشاذلي بن جديد "ملامح حياة"- الجزء الأول .بن بلة كان يحب الدسائس وهو من ألّب شعباني ضد بومدين
 بومدين كان يرفض مغادرة الجزائر خوفا من غدر الرئيس بن بلة صرخة "سبع سنين بركات" كانت كافية لإطفاء فتنة صائفة 62
كانت خطواتي الأولى في عالم السياسة تحت تأثير الوالد الذي كان مرشدي الحصيف في هذا الميدان، كنت، بالطبع، أسمع بأسماء مصالي الحاج وفرحات عباس والشيخ الإبراهيمي، لكنني لم أكن أدرك، في مثل سني، مغزى الصراعات التي كانت تجري آنذاك بينهم وبين الإدارة الإستعمارية، كان مستوى النقاش السياسي يتجاوز حدود مداركي. لذا كان علي أن أتعلم بنفسي. وجدتني وأنا بعد شاب يافع أدخل عالم السياسة من باب الإنتخابات. فقد شجعني والدي على المشاركة كمراقب في انتخابات 1947 التي جرت بعد مصادقة البرلمان الفرنسي على القانون الأساسي للجزائر الذي رفضته كل الأحزاب الوطنية. واختارني لأداء تلك المهمة معلم فرنسي كان يرأس مركز الإنتخابات في أولاد دياب لحثهم على التصويت على لوائح الحزب، وإفشال التزوير الذي كنا نخشى منه، كانت أول تجربة لي اكتشفت خلالها المبادئ الأولى للعمل الحزبي، وأهمها الدعاية السيا…

الملف : مصالي الحاج ، الزعيم الجزائري المظلوم

مصالي الحاج : أبو الأمة إنهالزعيم الوطني الكبير مصالي الذي أفنى حياته في السجون و المعتقلات والمنفى دفاعا عن الجزائر و الجزائريين و لكنه مات غريبا في فرنسا التي كافحها منذ العشرينيات والمأساة الكبرى تكمن في أنه مات محروما من الجنسية الجزائرية ، و حتى السلطات الجزائرية التي وافقت عند وفاته سنة 1973م على دفنه في الجزائر اشترطت أن يتم ذلك في صمت تام بعيدا عن كل الأضواء ولكن أبى أهله وأصدقاؤه إلا أن يكسروا جدار الخوف و استقبلوا جثمانه بحماس كبير مرددين نشيد حزب الشعب "فداء الجزائر" وسط زغاريد النسوة و في جو من الحسرة و الخشوع بأعين دامعة و قلوب تعتصرها الآلام . و قد ظل الحصار مضروبا على الرجل حتى و هو ميت في قبره إذ منعت السلطات كل من حاول تنظيم الندوات التي تتناول حياته و نضاله ، كما منع الترخيص بالنشاط لحزب الشعب الجزائري غداة إصدار قانون "الجمعيات ذات الطابع السياسي" سنة 1989م بسبب واه تمثل في " السلوك المضاد للثورة أثناء حرب التحرير" و هي تهمة تعني الخيانة للوطن رغم أن المؤرخين لم يثبتوها،وإنصافا لهذا الزعيم المظلوم نريد أن نميط اللثام عن بعض جوانب حياته ا…