التخطي إلى المحتوى الرئيسي

الحكومات العربية و نظريات المؤامرة الخارجية

ليس سرّا القول أن العالم العربي موبوء بنظرية المؤامرة، فهو لا يتنفس إلا بها، والجزائر جزء من هذا العالم العربي المريض الذي تتخيل بعض نخبه، وجزء واسع من الشارع فيه أيضا، أن الأجنبي أو هذا العنصر الخارجي لا ينام الليل، ولا يعمل أو يخترع ولا يطّور أو ينمي بلاده، ولا يرفع من مستوى معيشة شعبه، بل لا يأكل ولا يشرب إلا في سبيل التآمر على هؤلاء العرب الذين نكّلوا بأنفسهم حضاريا من دون تدخل الآخر في كثير من المرات. 
كنا نعتقد أن حكاية 17 سبتمبر، والثورات المزعومة التي قالت السلطة أن الخارج لعب دورا أساسيا في طبخها، ستتوقف هنا، على اعتبار أن الملايين لا يحتاجون إلى ثورة، فهم ينامون في العسل من كثرة الإنتاج والإنتاجية، وتطور الاقتصاد وغياب الفقر وانقراض البطالة... ومن منطلق أن هؤلاء الجزائريين أيضا قاموا بثورتهم قبل الجميع ولا يجوز شرعا ولا قانونا البحث عن ثورة جديدة، الخ... من المزاعم والاعتقادات السلطوية السمجة، لكن أن تمتد نظرية المؤامرة لأمور بسيطة لا ترق أن تكون سوى مطالب مشروعة للمواطنين، فيحوّلها البعض إلى ذريعة لتبرير ما لا يبرر، فهذا ما لا يمكن فهمه ولا ابتلاعه؟!
أن يقول وزير الصحة جمال ولد عباس مثلا أن غياب الأدوية في السوق هي لعبة كبيرة لمافيا القطاع بتواطؤ مع الخارج، هي فكرة قد نصدّقها على مضض، لكن أن يخرج علينا بتصريح يتهم فيه ممارسي الصحة من المضربين عن العمل، بحثا عن حقوقهم، أنهم ينفِّذون أجندة خارجية وفقا لنظرية التآمر على البلاد والعباد، فهذا ما لا يمكن وصفه سوى بأنه عبث يؤكد أن وزير الصحة "مريض جدا" بنظرية المؤامرة؟! 
السلطة لن تدّخر جهدا في الوقت الحالي للقول عن كل حركة احتجاج بسيطة ومشروعة، بل وتتفق مع الحقوق الدستورية، وجميع الشرائع والقوانين، على أنها جزء من مؤامرة دولية لضرب استقرار البلاد وهزّ ثقة المواطنين الكبيرة جدا في هذه الحكومة التي لا يثق بعض أعضائها في البعض الآخر، ولا يأتمن جزء من التحالف بها الجزء الثاني، بل ولا يطمئن الرئيس نفسه لأدائها بدليل تفكيره في تعديلها في كل مرة دون جدوى؟! 
لن نردد حكاية أن ثورة 17 سبتمبر أصلا كانت تآمرا من السلطة على السلطة، ولكن رجاء دعوا نظرية المؤامرة الخارجية لمناسبات أكبر، ولا تستعملوها إلا في الأحداث المهمة، حتى يصدّقكم جزء من هذا الشعب المغلوب على أمره حينها، انطلاقا من أننا فعلا جمهورية عظيمة يدبّر لها الجميع بليل، ويسهر الأشقاء فيها قبل الأعداء، حتى ساعات الفجر الأولى من أجل القبض على شعبنا متلبسا بحالة الازدهار والتقدم والرخاء الاقتصادي الكبير الذي تمرّغه الحكومة فيه من رأسه حتى أخمص قدميه؟!

تعليقات

الأكثر قراءة

المـلـــــف : مصالي الحاج ( المولد ، النشأة و الكفاح )

نشأته
·مولده ونسبه : ولد أحمد مصالي الحاج ليلة 16 ماي 1898 في حي رحيبة بمدينة تلمسان العريقة ،أمه هي فاطمة بنت ساري حاج الدين القاضي الشرعي في تلمسان ، أما أبوه فيدعى أحمد ويتميز بقامته الطويلة التي تتجاوز مترين وعشر سنتيمترات ،وقد كلفه سكان مدينة تلمسان بحراسة ضريح الولي الصالح سيدي بومدين لتقواه و ورعه . ·طفولته : درس مصالي الحاج في المدرسة الأهلية الفرنسية في تلمسان ،فكان يتألم كثيرا لمدى اهتمام المدرسة بتاريخ فرنسا وتلقينه للتلاميذ في الوقت الذي غيب فيه تماما تاريخ وجغرافية وطنه ، ولاحظ الطفل أحمد الفرق الشاسع بين ما يتلقاه في المدرسة عن الحضارة والعدل الفرنسيين وما يشاهده في الواقع من اهانة واستغلال للجزائريين ، فأصبح التلميذ مصالي شديد الغضب يثور لكل صغيرة وكبيرة تمس زملاءه التلاميذ فلقب بــ"محامي القسم" مما دفع إدارة المدرسة إلى طرده سنة 1916.   كما تلقى مصالي الحج تربية دينية في زاوية الحاج محمد بن يلس التابعة للطريقة الدرقاوية بتلمسان .                           مارس الطفل أحمد إلى جانب دراسته عدة أعمال لمساعدة عائلته الفقيرة ، فاشتغل حلاقا فاسكافيا ثم بقالا وعمره لا  يتج…

مذكرات الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد

مذكرات الشاذلي بن جديد "ملامح حياة"- الجزء الأول .بن بلة كان يحب الدسائس وهو من ألّب شعباني ضد بومدين
 بومدين كان يرفض مغادرة الجزائر خوفا من غدر الرئيس بن بلة صرخة "سبع سنين بركات" كانت كافية لإطفاء فتنة صائفة 62
كانت خطواتي الأولى في عالم السياسة تحت تأثير الوالد الذي كان مرشدي الحصيف في هذا الميدان، كنت، بالطبع، أسمع بأسماء مصالي الحاج وفرحات عباس والشيخ الإبراهيمي، لكنني لم أكن أدرك، في مثل سني، مغزى الصراعات التي كانت تجري آنذاك بينهم وبين الإدارة الإستعمارية، كان مستوى النقاش السياسي يتجاوز حدود مداركي. لذا كان علي أن أتعلم بنفسي.
وجدتني وأنا بعد شاب يافع أدخل عالم السياسة من باب الإنتخابات. فقد شجعني والدي على المشاركة كمراقب في انتخابات 1947 التي جرت بعد مصادقة البرلمان الفرنسي على القانون الأساسي للجزائر الذي رفضته كل الأحزاب الوطنية. واختارني لأداء تلك المهمة معلم فرنسي كان يرأس مركز الإنتخابات في أولاد دياب لحثهم على التصويت على لوائح الحزب، وإفشال التزوير الذي كنا نخشى منه، كانت أول تجربة لي اكتشفت خلالها المبادئ الأولى للعمل الحزبي، وأهمها الدعاية السيا…

الملف : مصالي الحاج ، الزعيم الجزائري المظلوم

مصالي الحاج : أبو الأمة إنهالزعيم الوطني الكبير مصالي الذي أفنى حياته في السجون و المعتقلات والمنفى دفاعا عن الجزائر و الجزائريين و لكنه مات غريبا في فرنسا التي كافحها منذ العشرينيات والمأساة الكبرى تكمن في أنه مات محروما من الجنسية الجزائرية ، و حتى السلطات الجزائرية التي وافقت عند وفاته سنة 1973م على دفنه في الجزائر اشترطت أن يتم ذلك في صمت تام بعيدا عن كل الأضواء ولكن أبى أهله وأصدقاؤه إلا أن يكسروا جدار الخوف و استقبلوا جثمانه بحماس كبير مرددين نشيد حزب الشعب "فداء الجزائر" وسط زغاريد النسوة و في جو من الحسرة و الخشوع بأعين دامعة و قلوب تعتصرها الآلام . و قد ظل الحصار مضروبا على الرجل حتى و هو ميت في قبره إذ منعت السلطات كل من حاول تنظيم الندوات التي تتناول حياته و نضاله ، كما منع الترخيص بالنشاط لحزب الشعب الجزائري غداة إصدار قانون "الجمعيات ذات الطابع السياسي" سنة 1989م بسبب واه تمثل في " السلوك المضاد للثورة أثناء حرب التحرير" و هي تهمة تعني الخيانة للوطن رغم أن المؤرخين لم يثبتوها،وإنصافا لهذا الزعيم المظلوم نريد أن نميط اللثام عن بعض جوانب حياته ا…