التخطي إلى المحتوى الرئيسي

جؤانب من حياة العلامة بن باديس : ابن باديس و الرياضة.

كان يدعو إلى تنشيط العقول والأبدان ويرافق تلاميذه لممارسة السباحة والسياحة.
العلامة بن باديس كان رياضيا ولعب دورا هاما في تأسيس مولودية قسنطينة

  
يتذكّر الجزائريون يوم 16 أفريل من كل سنة لاستعادة مناقب الشيخ العلامة عبد الحميد بن باديس ودوره الكبير في الحفاظ على الثوابت الوطنية والدينية للشعب الجزائري، لكن ما لا يعرفه الكثير من صاحب المقولة الخالدة "شعب الجزائر مسلم وإلى العروبة ينتسب" هو الجانب الرياضي في حياته رغم العلاقة الوثيقة بين اسم العلامة بن باديس وظروف تأسيس فريق مولودية قسنطينة.
وكان الشيخ بن باديس رحمه الله يحب الرياضة، ويحرص على المشي والتجول في غابات المنصورة وباب القنطرة عندما ينهي أشغاله، وفي هذا المجال سبق وأن خاطب بعض مقربيه قائلا: "مارسوا الرياضة لأنه يأتي وقت تكون فيه الجزائر في حاجة إلى أبناء أقوياء بدنيا وروحيا تجدهم في وقت الشدة، وقد أثّر هذا الكلام كثيرا فيمن كانوا حوله، ما جعلهم يفكرون في تنظيم صفوفهم لتأسيس جمعية رياضية تمثل المدينة بكل إرادة خاصة أمام الأندية الاستعمارية، ومن شدة اهتماماته بالرياضة كان العلامة بن باديس يشجع طلبته وتلاميذ جمعية العلماء المسلمين على الذهاب إلى مسبح سيدي مسيد عندما ينهون الدراسة لممارسة السباحة، وكان يقوم بخرجات جماعية للتلاميذ إلى جبل الوحش والمريج في أعالي مدينة قسنطينة من أجل لعب كرة القدم فيما بينهم ويشجعهم رغم أنه لا يشارك فيها، بل يكتفي بالمتابعة والمشاهدة فقط.

وافق على تأسيس "الموك" واللون الأبيض من لباس بن باديس
كثر الحديث عن مسألة تأسيس مولودية قسنطينة، لكن حسب شهادة الشريف درسوني الذي يعد من الذين أشرفوا على هذا الفريق في ذلك الوقت، فإن الذي شغل بال الكثير وفي مقدمتهم عبد الحميد بن باديس هو السماح بممارسة كرة القدم في إطار منظم وتجنب اللعب العشوائي في الشارع حتى لا يتم إزعاج السكان، وقد طلب منهم الشيخ تنظيم أنفسهم في جمعية تمثلهم، وكان كلامه موجها بشكل خاص إلى شبان حي 40 شريفا الذين كانوا يرون أنفسهم ذهبوا ضحية التهميش، وبعد أن قرّر بعض الشبان تأسيس مولودية قسنطينة مثل عمار منادي، الإخوة زواوي، علاوة بن سعيد، عمار بلوم، عبد المجيد بن شريف، عبد الحق بن موفق، حسان بن شيكو وغيرهم، فقد فضّلوا نقل انشغالهم إلى العلامة عبد الحميد بن باديس، وكان رده بالقول "على بركة الله"، وهذا ما أكده شقيقه الأصغر عبد الحق بن باديس في تصريحات إعلامية سابقة، حيث تم تأسيس مولودية قسنطينة يوم الرابع من شهر ديسمبر 1939، وتم الحصول على وصل التأسيس رقم 1821 من الإدارة الاستعمارية، وتسمية المولودية التي أخذها الفريق القسنطيني الجديد واضحة من تزامن التأسيس مع ذكرى المولد النبوي الشريف، وهذا إشارة من الشيخ بن باديس، وتم الاجتماع في حي الأربعين شريفا، وتم اقتراح تسمية MCC "أمسيسي" لكن الاسم لم يعجب الكثير لأن اسم "أمسيسي" كان يطلق آنذاك على أحد الطيور المشاكسة فتم اقتراح اسم "MOC".
وحسب شهادة عبد العالي بوزيدي فإن الفريق كان يحمل لونا واحدا عند تأسيسه وهو الأبيض بناء على لباس وحذاء الشيخ بن باديس، وبقي "الموك" باللون الوحيد حتى الاستقلال، حيث تم إضافة اللون الأزرق لكي تظهر أرقام اللاعبين فقط، ولكن الشيخ مصطفى درسوني الذي عايش الشيخ بن باديس فقد أكد أنه قبل إضافة اللون الأزرق تم اقتراح اللون البنفسجي الذي يدل حسبه على العلم، لكن في الأخير تم الاتفاق على الأبيض والأزرق، وإلى غاية اليوم لازال أنصار "الموك" ينادونها بـ"البيضاء" في وقت يسمى جيرانهم (شباب قسنطينة) بـ"الخضورة".

الشيخ يدعم ماديا ومعنويا وأوصاهم برفض إعانات المستعمر
وساعد الشيخ بن باديس الفريق كثيرا من خلال جعل مطبعته في خدمة النادي وذلك بطبع البطاقات والمراسلات، وكانت مساهماته المادية واضحة أيضا بدليل أن أول مبلغ مالي قدمه لإدارة النادي هو 5 سنتيميات (دورو)، ورغم أنه لم يعش الكثير من حياة ويوميات الفريق الذي ساهم في تأسيسه بعد أن انتقل إلى جوار ربه سنتين فقط بعد ميلاد مولودية قسنطينة (1939-1941)، إلا أن العلامة أوصى مسؤولي الفريق بالاعتماد على أنفسهم في الجانب المالي، حيث كانوا يذهبون إلى الدكاكين والتجار للحصول على الأموال، فرغم أن الإدارة الاستعمارية كانت ترسل لهم استدعاء ووصلا للحصول على مساعدات الإدارة الفرنسية لكن مسؤولية "الموك" كانوا يمزقونها مباشرة بعد استلامها عملا بوصية الإمام، كما كانوا يقومون بدورات كروية تخصص مداخيلها لبناء مدارس التربية، وشارك في هذه الدورات أندية معروفة كالملعب التونسي، دينامو زغرب الكرواتي وحمام الأنف التونسي.

لم يدخل الملعب، وحماني، شيبان وتلاميذ جمعيات العلماء يشجعون "الموك"
وحسب شهادة شقيق العلامة عبد الحميد بن باديس (94 سنة)، فإن رائد النهضة الإصلاحية لم يدخل الملعب في حياته، ولم يشاهد أي لقاء لمولودية قسنطينة أو لغيرها، لكن هذا لم يمنعه من متابعة نتائج الفريق من بعيد والاستفسار عن كل صغيرة وكبيرة تحدث في محيطه، حتى أن المسيرين عند نهاية كل مقابلة تفوز بها "الموك" يقصدون مكتبه ليحدثوه عن إنجازات الفريق، وكان الشيخ يبدي فرحة كبيرة لانتصارات النادي خصوصا على الفرق الفرنسية. وكان لارتباط بن باديس "الموك" دور في توجهات وميول تلاميذ جمعية العلماء الذين يناصرون في معظمهم هذا الفريق، ومن أشهر هؤلاء في تلك الفترة عبد الرحمان شيبان، أحمد حماني رحمهما الله وغيرهم، وهناك أيضا المفكر الراحل مالك بن نبي والشيخ الصادق حماني والوزير الأسبق يحي ڤيدوم وغيره ممن ربطوا بين العلم والرياضة.

فرنسا حلّقت شعر بعض الأنصار وشعار "الموك باباها بن باديس" دائم الحضور
وكان موقف الإدارة الاستعمارية سلبيا تجاه "الموك"، ففي إحدى المناسبات جاء وزير الرياضة الفرنسي إلى قسنطينة لمراقبة الفرق الرياضية، فقام رئيس البلدية باستدعاء الأمين العالم لـ"الموك" عمار منادي طالبا منه حذف اسم مولودية من تسمية الفريق بحجّة أنه يحمل الطابع الإسلامي لكن طلبه قوبل بالرفض،  كما قامت الإدارة الاستعمارية في إحدى المناسبات بحلق شعر المناصرين الذين يتنقلون مع "الموك" بصفة كلية للحد من تشجيعهم لفريقهم المحبوب. ورغم الظروف الصعبة التي ميزت فترة تأسيس مولودية قسنطينة قبل سنوات قليلة عن اندلاع الحرب العالمية الثانية إلا أن ذلك لم يمنع الساهرين على الفريق من مسيرين ولاعبين من رفع التحدي من خلال مشاركتهم الايجابية في دورات محلية وإقليمية على غرار كأس شمال إفريقيا التي لعبت سنة 1945 وفيها قابلت المولودية كل من الكوكب المراكشي المغربي والنادي البنزرتي التونسي ما ساهم في إخراج "الموك" أكثر إلى النور.
ولا زال دور العلامة عبد الحميد بن باديس حاضرا إلى اليوم في المحيط العام لمولودية قسنطينة من خلال ترديد "باباها بن باديس" التي يرددها أنصار "الموك" خصوصا في "الداربي" القسنطيني إضافة إلى دخول لاعبي "الموك" في عديد اللقاءات الهامة وهم يحملون صورة العلامة ويأخذون صورا للذكرى على غرار ما حدث أثناء الجولة الأخيرة من موسم 90-91 التي حصلت فيها "الموك" على اللقب الوحيد في البطولة، وهو ما يبين العلاقة بين بن باديس والرياضة من بوابة مولودية قسنطينة بشكل يؤكد ارتباط باعث النهضة الجزائرية بنور الدين والعلم والمعرفة وتنشيط العقول والأبدان، فقد نشأ في بيئة علمية، حفظ القرآن وهو ابن ثلاث عشرة سنة، ثم تتلمذ على الشيخ أحمد أبو حمدان الونيسي، فكان من أوائل الشيوخ الذين كان لهم أثر طيب في توجّهه الـديـنـي، ولا ينسى ابن باديس وصية هذا الشيخ له: "اقرأ العلم للعلم لا للوظيفة" مثلما نصح شبان حي الـ40 شريفا على ممارسة الرياضة لتقوية الأبدان وخدمة الوطن من منطلق المقولة الخالدة "العقل السليم في الجسم السليم".

تعليقات

الأكثر قراءة

المـلـــــف : مصالي الحاج ( المولد ، النشأة و الكفاح )

نشأته
·مولده ونسبه : ولد أحمد مصالي الحاج ليلة 16 ماي 1898 في حي رحيبة بمدينة تلمسان العريقة ،أمه هي فاطمة بنت ساري حاج الدين القاضي الشرعي في تلمسان ، أما أبوه فيدعى أحمد ويتميز بقامته الطويلة التي تتجاوز مترين وعشر سنتيمترات ،وقد كلفه سكان مدينة تلمسان بحراسة ضريح الولي الصالح سيدي بومدين لتقواه و ورعه . ·طفولته : درس مصالي الحاج في المدرسة الأهلية الفرنسية في تلمسان ،فكان يتألم كثيرا لمدى اهتمام المدرسة بتاريخ فرنسا وتلقينه للتلاميذ في الوقت الذي غيب فيه تماما تاريخ وجغرافية وطنه ، ولاحظ الطفل أحمد الفرق الشاسع بين ما يتلقاه في المدرسة عن الحضارة والعدل الفرنسيين وما يشاهده في الواقع من اهانة واستغلال للجزائريين ، فأصبح التلميذ مصالي شديد الغضب يثور لكل صغيرة وكبيرة تمس زملاءه التلاميذ فلقب بــ"محامي القسم" مما دفع إدارة المدرسة إلى طرده سنة 1916.   كما تلقى مصالي الحج تربية دينية في زاوية الحاج محمد بن يلس التابعة للطريقة الدرقاوية بتلمسان .                           مارس الطفل أحمد إلى جانب دراسته عدة أعمال لمساعدة عائلته الفقيرة ، فاشتغل حلاقا فاسكافيا ثم بقالا وعمره لا  يتج…

مذكرات الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد

مذكرات الشاذلي بن جديد "ملامح حياة"- الجزء الأول .بن بلة كان يحب الدسائس وهو من ألّب شعباني ضد بومدين
 بومدين كان يرفض مغادرة الجزائر خوفا من غدر الرئيس بن بلة صرخة "سبع سنين بركات" كانت كافية لإطفاء فتنة صائفة 62
كانت خطواتي الأولى في عالم السياسة تحت تأثير الوالد الذي كان مرشدي الحصيف في هذا الميدان، كنت، بالطبع، أسمع بأسماء مصالي الحاج وفرحات عباس والشيخ الإبراهيمي، لكنني لم أكن أدرك، في مثل سني، مغزى الصراعات التي كانت تجري آنذاك بينهم وبين الإدارة الإستعمارية، كان مستوى النقاش السياسي يتجاوز حدود مداركي. لذا كان علي أن أتعلم بنفسي.
وجدتني وأنا بعد شاب يافع أدخل عالم السياسة من باب الإنتخابات. فقد شجعني والدي على المشاركة كمراقب في انتخابات 1947 التي جرت بعد مصادقة البرلمان الفرنسي على القانون الأساسي للجزائر الذي رفضته كل الأحزاب الوطنية. واختارني لأداء تلك المهمة معلم فرنسي كان يرأس مركز الإنتخابات في أولاد دياب لحثهم على التصويت على لوائح الحزب، وإفشال التزوير الذي كنا نخشى منه، كانت أول تجربة لي اكتشفت خلالها المبادئ الأولى للعمل الحزبي، وأهمها الدعاية السيا…

الملف : مصالي الحاج ، الزعيم الجزائري المظلوم

مصالي الحاج : أبو الأمة إنهالزعيم الوطني الكبير مصالي الذي أفنى حياته في السجون و المعتقلات والمنفى دفاعا عن الجزائر و الجزائريين و لكنه مات غريبا في فرنسا التي كافحها منذ العشرينيات والمأساة الكبرى تكمن في أنه مات محروما من الجنسية الجزائرية ، و حتى السلطات الجزائرية التي وافقت عند وفاته سنة 1973م على دفنه في الجزائر اشترطت أن يتم ذلك في صمت تام بعيدا عن كل الأضواء ولكن أبى أهله وأصدقاؤه إلا أن يكسروا جدار الخوف و استقبلوا جثمانه بحماس كبير مرددين نشيد حزب الشعب "فداء الجزائر" وسط زغاريد النسوة و في جو من الحسرة و الخشوع بأعين دامعة و قلوب تعتصرها الآلام . و قد ظل الحصار مضروبا على الرجل حتى و هو ميت في قبره إذ منعت السلطات كل من حاول تنظيم الندوات التي تتناول حياته و نضاله ، كما منع الترخيص بالنشاط لحزب الشعب الجزائري غداة إصدار قانون "الجمعيات ذات الطابع السياسي" سنة 1989م بسبب واه تمثل في " السلوك المضاد للثورة أثناء حرب التحرير" و هي تهمة تعني الخيانة للوطن رغم أن المؤرخين لم يثبتوها،وإنصافا لهذا الزعيم المظلوم نريد أن نميط اللثام عن بعض جوانب حياته ا…