التخطي إلى المحتوى الرئيسي

قضية بلونيس - ملحق 5 -

كان عميلاً لمخابراتها في تفكيك "المنظمة الخاصة"

كوبيس باع "رأس" بن بلة لفرنسا وتوعَّد بقتل الثورة في المهد

  حكيم عزي
الرئيس الراحل أحمد بن بلة
       الرئيس الراحل أحمد بن بلة

 عُرف بذي الوجهين وماضيه التعيس سبب رفض انضمامه إلى الثورة

 كان يؤمن بأن فرنسا لن تغادر الجزائر والثورة لن تحقق أي نتيجة


نواصل في هذه الحلقة التطرق إلى شخصيات يصفها المجاهدون بـالخائنة لثورة التحرير المجيدة، ونعود إلى قصة كوبيس وهو اسم مخابراتي فرنسي مشفر، بينما تقول رواية أخرى أن معناه المسدس ـ بالدارجة ـ أي كابوس، لكن اسمه الحقيقي هو بلحاج الجيلالي عبد القادر من مواليد 1921 بقرية "زدين" الفلاحية بعين الدفلى معقل الشيوعيين الجزائريين.
وإن كنا من جيل الاستقلال كصحافيين نبحث عن الحقيقة فقط، ولا نتهم أي شخص بحكم أننا لم نعايش هذه المرحلة من تاريخ البلاد، فإن حلقاتنا السابقة ولاحقة لا تهدف إلى أكل لحم الميت أو المساس بالأشخاص والألقاب بقدر ما هي محاولات لإظهار الحقيقة للرأي العام من خلال آراء متباينة للمجاهدين الحقيقيين، فضلا عن الاعتماد على أبحاث مؤرخين جزائريين وأجانب ووثائق تاريخية فرنسية وثورية للوصول إلى بعض الحقائق من التاريخ الجزائري الغامض.
ويتفق عدد من المؤرخين من بينهم "جمال قادة" ابن المجاهد الكبير أحمد قادة الوحيد على قيد الحياة من مجموعة "الـ 15 الخارجين عن القانون الفرنسي" و"الاعتصام بالجبل" في الأوراس، أن كوبيس وصف على أنه ذو الوجهين وينعت بالعلبة السوداء للمخابرات الفرنسية، وهي من أطلقت عليه هذا الاسم الاستخباراتي، حيث حاولت استخدامه ضد الثورة التحريرية وقتلها في المهد.
ومعروف تاريخيا أنه عمل في فترة بلونيس، وبالتحديد في المدة بين 21 مارس1957 إلى غاية 28 أفريل 1958 ثم قتل قبل مقتل الجنرال، لكن لم يعملا سويا في منطقة واحدة، وينعت بالرجل الثاني في المنظمة السرية وهو مكلف بتدريب العسكريين ومثقف ويجيد اللغة الفرنسية ويحسن الخطاب والتعبير، علما أن أول خطبة ألقاها، كانت في "زيدين"، وبدأ حياته كعون رقن في إحدى البلديات، وتعلم في المدرسة العسكرية للضباط الاحتياطيين في شرشال، وهذا الامتياز لا يُعطى إلا لأبناء العائلات الكبيرة الموالية للاحتلال الفرنسي في تلك الفترة، ورغم تكوينه في نهاية 1940 في مدرسة للضباط، إلا أن رتبته لم تتعدّ "سيرجان" في الجيش الفرنسي، وانخرط مع "حركة انتصار الحريات والديمقراطية"، ثم "لوس" المنظمة الخاصة.
وحسب المعلومات التي وردت في بعض الوثائق الفرنسية تحوز "الشروق" على نسخة منها وشهادات مجاهدين، فإن كوبيس تم تكوينه خصيصا من طرف ضابط في المخابرات الفرنسية في خطوة لاختراق صفوف "لوس" وإفادة فرنسا بالمعطيات وتحركات المناضلين في المنضمة الخاصة، وقد تمكن من الوصول إلى اختراق هذا التنظيم، ولما تم توقيفه من طرف الفرنسيين أثناء دورية عسكرية وانكشفت حركته عام 1950مع المنظمة الخاصة، تم التعرف عليه كونه أحد المهندسين لعملية اختراق وبيع رؤوس المؤسسين للمنظمة وعناصرها وعلى رأسهم الرئيس السابق أحمد بن بلة، الذي خلف حسين حسين أيت أحمد المدعو "مجيد". على قيادة المنظمة الخاصة، مع التأكيد أن الجيش الفرنسي لما أوقف كوبيس لم يكن على دراية بتوظيفه في صفوف المخابرات الفرنسية والتي لم تشعر أركان الجيش الفرنسي بذلك، وقد تدخل قادة عسكريون لإطلاق سراحه بصفة رسمية وتوصلت الإدارة الفرنسية إلى معرفة من يقود التنظيم "لو.س".
وذكرت الوثائق الفرنسية نقلا عن الإدارة الفرنسية قولها "أن وجود كوبيس في المنظمة الخاصة أو صلنا حقا إلى نجاح باهر، تفكيك المنظمة وتوقيف الأعضاء البارزين" وهي شهادة فرنسية على أن "السيرجان" كان حقا مجندا لضرب الوطنين من الداخل، بينما دخلت المنظمة في وضعية معقدة وتشرذم عناصرها وانتقل البعض الآخر إلى "الاعتصام بالجبل" وكان كوبيس بمثابة المفكك لها.

المخابرات الفرنسية أعدَّت جيش كوبيس 
في بداية الثورة التحريرية أبدى كوبيس نيته في الانضمام إليها، لكن المجاهدين طعنوا في مصداقيته ورفضوه بسبب تاريخه ومعرفتهم بأنه عميل سري للمخابرات الفرنسية، وبعد أن كان مرموقا في المنظمة الخاصة تحوّل إلى شخص منبوذ في القاعدة، فقام بتجهيز قوة عسكرية تفوق 500 جندي خائن معظمهم من نواحي بالعاصمة والشلف حيث كان سجينا سياسيا فيها وله علاقات وطيدة مع عدة عناصر ساعدوه على تكوين جيش ظاهره محاربة فرنسا وباطنه قتل الثورة في المهد، على طريقة اختراقات المخابرات الفرنسية، حيث يظهر للعيان أنه هو من يمثل جيش التحرير وجبهة التحرير ويحمل الراية الوطنية فوق ثكنته إلى جنب الراية الفرنسية، بينما الحقيقة هي كسر شوكة الثورة وإحباطها وقد نصّب نفسه جنرالا على طريقة بلونيس تماما، وتدرب عسكريا على هذه الأفكار، بعد مرور 3 سنوات على اندلاع الثروة، حيث شعرت فرنسا أن لهيب الجبهة تزايد لاسيما في الأوراس، ولم يكتف بذلك وكون موقعه وجيشه في منطقة "زيدين" بعين الدفلى في عام 1957، وظل ينشط تحت مراقبة وأعين الفرنسيين والحصول على المساعدات الحربية والمعنوية، وكذا التعليمات الفرنسية الدقيقة، وكان يؤمن بأن فرنسا لن تغادر الجزائر وجيش التحرير لن يفعل شيئا، وتمثلت مهمته حسب الرواية الفرنسية في تطهير جبال عمرونة، زمورة، ثنية الحد، مطماطة، من المجاهدين والقضاء على المسبلين والفدائيين وقطع الطريق وتجويعهم وملاحقتهم في الجبال. 
وتؤكد الوثائق أن جبهة التحرير قامت تكتيكياً بفتح عدة جبهات ضد كوبيس في عين الدفلى وفتحات أخرى ضد جيش بلونيس في مناطق برج بوعريريج، الجلفة، آفلو، وبوابة الصحراء، وهنا ظهر التنسيق المحكم بين كوبيس السيرجان وبلونيس الجنرال، وكانا حليفين لفرنسا، ومحاربة جيش التحرير اعتقادا منهما أنهما لن يخسرا المعركة مادامت قوة العدو كبيرة جدا.

"نيران صديقة" تكشف المستور
 حسب شهادات مكتوبة فإن معارك كوبيس كشفت لجنوده أن هذا الجيش ليس لتحرير الجزائر، وإنما لتدعيم فرنسا حيث فر العشرات في شكل أفواج، في حين احتمى كوبيس بالمسمى بشاغا بوعلام الذي كان يوصف في تلك المرحلة بالرجل القوى والغني، لكن هذا الاحتماء لم يضف أي دعم لجيشه، الذي دخل في معارك ضد بعضه البعض "نيران صديقة" واختلطت عليه الأمور، ومعلوم أن التنسيق الذي تم من قبل بين كوبيس وبلونيس لإجهاض الثورة، لم يعمر طويلا بالرغم من الاتفاق المبرمج لمحاصرة جيش التحرير في الولايتين الخامسة والسادسة، خاصة بالجهة الجنوبية في أفلو والأغواط والجلفة، حيث حاولا تقسيم الجيشين بين الشمال والجنوب لإيهام المواطنين على أن المجاهدين فشلوا في محاربة فرنسا ومنه التضييق عليهم كي لا يعودوا إلى الوراء، وسهولة تصفيتهم بتنسيق مكثف، وهي المعلومات التي وردت في وثائق تاريخية، لكن دهاء الشهيد العقيد محمد بوڤرة جعله يفك الحصار عن عناصر جيش التحرير، ويتمكن من قصم ظهر المحالفين للعدو والقضاء على مخططهما.
الشهادات ذكرت أن جيش جبهة التحرير الوطني عمل كل ما في وسعه في الفترة الممتدة بين 1857و 1958والقيام بعمليات نوعية خاصة في الولاية الرابعة لتوفيت على تحالف كوبيس وبلونيس وكان الشهيد سي الحواس يقول للمجاهدين لما علم بانضمام عد كبير من الجنود للمحاربة ضد الثورة ّ "عليكم بمعاملة الناس بلطف وعطف" لكن إذا لم يستجيبوا بعد عدة محاولات فاقتلوا 200 خائن من أجل معطف مجاهد" وهي كناية على ترهيب الخونة، وبالمقابل حث الناس بسلم كونهم لا يفرقون بين جيش التحرير ومن يقاتل مع فرنسا لإخماد الثورة، وفعلا نجح في استقطاب عدد كبير من الجنود الذين التحقوا بالجبال مع الثورة التحريرية خاصة من جهتي المسيلة وعين الدفلى مربّع فرنسا ومنه محاصرة من وصفوا بـالخونة واسترجاع جيوب مهمة والسيطرة الفكرية على المجاهدين وأغلبهم أميون وتوعيتهم بأن بلونيس ومن معه لا يمثلون الثورة الجزائرية، وأن مهمتهم مساعدة فرنسا على البقاء، وكان لتك الخطابات الحماسية دور هام ولم يعد مساعدو فرنسا يتحكمون سوى في عدد من الجنود، بعد أن جمعوا في الأول أعداد معتبرة على غرار كوبيس وبلونيس.

الثورة تتسلم رأس كوبيس 
 تكشف الوثائق التي بحوزتنا أن مسؤولين في جيش التحرير بالولاية الربعة منهم النقيب بونعامة قائد المنطقة الثالثة في الثورة من جهة، وسي رشيد بوشوشي مسؤول منطقة ثنية الحد، عقدوا بمساعدة ضباط كوبيس اتفاقا سريا بينهم من أجل التحاقهم بالجبهة بأسلحتهم وأثاثهم، وهي ضربة قاصمة وعملية ناجحة، لكن قادة الثورة بينهم الشهيد سي محمد بوڤرة اشترطوا عليهم رأس كوبيس قبل أي حديث إبداي حسن النية، لكن كوبيس تفطن للخطة وقام شخصيا بإعدام أحمد بلقاسم أحد أقاربه لما علم بالخبر. 
وفي شهر رمضان 1958 قامت فرقة خاصة يقودهم المدعو جمال مسير من طرف النقيب بونعمة، بمهاجمة كوبيس، وقد تدخلت الطائرات الفرنسية لضمان نجاة من نعت بـالعميل ومن معه، ومنه بدأ الشك يخامر جنوده، وأرادوا هذا الالتحاق بجيش التحرير الذي شرعف في إخطارهم بضرورة الالتحاق بالصفوف وترك الخائن وأعوانه والصبر على الضغوط والتخطيط للانسحاب.
وفي ليلة 27 إلى 28 أفريل من نفس السنة زهاء 800 جندي من جيش كوبيس التحقوا بجبال عمرونة في غابة الونشريس بأسلحتهم ومتاعهم، ولم تكن معهم أسلحة ثقيلة لأن فرنسا أخذ احتياطاتها من كوبيس ورفضت تسليمه هذا النوع من السلاح خوفا من ردة الفعل، وشنت عملية تمشيط واسعة لملاحقة عناصر جيش التحرير امتدادا إلى منطقتي "الأمداد" بثنية الحد، وحلقت طائرات عمودية وقتلت أكثر من 100 منشق على "السيرجان" وتم توزيع الناجين عبر وحدات جيش التحرير وتسلم قادة الثروة رأس كوبيس ملفوفا في كيس أسود من يد مساعده إسماعيل رشيد رابح الذي قام بتصفيته وكانت نهايته مأسوية.

 تطالعون في العدد القادم 
ـ نية كوبيس في الالتحاق بالثورة في بدايتها 
ـ خلفيات الصراع بين كوبيس وقادة الثورة 
ـ علاقة كوبيس بباشاغا بوعلام وإبرام صفقة شراء أسلحة لإجهاض الثورة
ـ كيف تمكنت الجبهة من اختراق مواقع السيرجان 

تعليقات

الأكثر قراءة

المـلـــــف : مصالي الحاج ( المولد ، النشأة و الكفاح )

نشأته
·مولده ونسبه : ولد أحمد مصالي الحاج ليلة 16 ماي 1898 في حي رحيبة بمدينة تلمسان العريقة ،أمه هي فاطمة بنت ساري حاج الدين القاضي الشرعي في تلمسان ، أما أبوه فيدعى أحمد ويتميز بقامته الطويلة التي تتجاوز مترين وعشر سنتيمترات ،وقد كلفه سكان مدينة تلمسان بحراسة ضريح الولي الصالح سيدي بومدين لتقواه و ورعه . ·طفولته : درس مصالي الحاج في المدرسة الأهلية الفرنسية في تلمسان ،فكان يتألم كثيرا لمدى اهتمام المدرسة بتاريخ فرنسا وتلقينه للتلاميذ في الوقت الذي غيب فيه تماما تاريخ وجغرافية وطنه ، ولاحظ الطفل أحمد الفرق الشاسع بين ما يتلقاه في المدرسة عن الحضارة والعدل الفرنسيين وما يشاهده في الواقع من اهانة واستغلال للجزائريين ، فأصبح التلميذ مصالي شديد الغضب يثور لكل صغيرة وكبيرة تمس زملاءه التلاميذ فلقب بــ"محامي القسم" مما دفع إدارة المدرسة إلى طرده سنة 1916.   كما تلقى مصالي الحج تربية دينية في زاوية الحاج محمد بن يلس التابعة للطريقة الدرقاوية بتلمسان .                           مارس الطفل أحمد إلى جانب دراسته عدة أعمال لمساعدة عائلته الفقيرة ، فاشتغل حلاقا فاسكافيا ثم بقالا وعمره لا  يتج…

مذكرات الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد

مذكرات الشاذلي بن جديد "ملامح حياة"- الجزء الأول .بن بلة كان يحب الدسائس وهو من ألّب شعباني ضد بومدين
 بومدين كان يرفض مغادرة الجزائر خوفا من غدر الرئيس بن بلة صرخة "سبع سنين بركات" كانت كافية لإطفاء فتنة صائفة 62
كانت خطواتي الأولى في عالم السياسة تحت تأثير الوالد الذي كان مرشدي الحصيف في هذا الميدان، كنت، بالطبع، أسمع بأسماء مصالي الحاج وفرحات عباس والشيخ الإبراهيمي، لكنني لم أكن أدرك، في مثل سني، مغزى الصراعات التي كانت تجري آنذاك بينهم وبين الإدارة الإستعمارية، كان مستوى النقاش السياسي يتجاوز حدود مداركي. لذا كان علي أن أتعلم بنفسي.
وجدتني وأنا بعد شاب يافع أدخل عالم السياسة من باب الإنتخابات. فقد شجعني والدي على المشاركة كمراقب في انتخابات 1947 التي جرت بعد مصادقة البرلمان الفرنسي على القانون الأساسي للجزائر الذي رفضته كل الأحزاب الوطنية. واختارني لأداء تلك المهمة معلم فرنسي كان يرأس مركز الإنتخابات في أولاد دياب لحثهم على التصويت على لوائح الحزب، وإفشال التزوير الذي كنا نخشى منه، كانت أول تجربة لي اكتشفت خلالها المبادئ الأولى للعمل الحزبي، وأهمها الدعاية السيا…

الملف : مصالي الحاج ، الزعيم الجزائري المظلوم

مصالي الحاج : أبو الأمة إنهالزعيم الوطني الكبير مصالي الذي أفنى حياته في السجون و المعتقلات والمنفى دفاعا عن الجزائر و الجزائريين و لكنه مات غريبا في فرنسا التي كافحها منذ العشرينيات والمأساة الكبرى تكمن في أنه مات محروما من الجنسية الجزائرية ، و حتى السلطات الجزائرية التي وافقت عند وفاته سنة 1973م على دفنه في الجزائر اشترطت أن يتم ذلك في صمت تام بعيدا عن كل الأضواء ولكن أبى أهله وأصدقاؤه إلا أن يكسروا جدار الخوف و استقبلوا جثمانه بحماس كبير مرددين نشيد حزب الشعب "فداء الجزائر" وسط زغاريد النسوة و في جو من الحسرة و الخشوع بأعين دامعة و قلوب تعتصرها الآلام . و قد ظل الحصار مضروبا على الرجل حتى و هو ميت في قبره إذ منعت السلطات كل من حاول تنظيم الندوات التي تتناول حياته و نضاله ، كما منع الترخيص بالنشاط لحزب الشعب الجزائري غداة إصدار قانون "الجمعيات ذات الطابع السياسي" سنة 1989م بسبب واه تمثل في " السلوك المضاد للثورة أثناء حرب التحرير" و هي تهمة تعني الخيانة للوطن رغم أن المؤرخين لم يثبتوها،وإنصافا لهذا الزعيم المظلوم نريد أن نميط اللثام عن بعض جوانب حياته ا…