التخطي إلى المحتوى الرئيسي

ملف الخونة : قضية بلونيس - الخلقة الثانية -

 أبرز قادته تمرّدوا عليه / الحلقة الثانية

القصة الكاملة لانهيار حركة بلونيس من الداخل

     الباحث تاريخي - سليمان قاسم
بلونيس - يمينا
                                    بلونيس - يمينا 
نتيجة لهذه الأحداث تشتتت فلول جيش بلونيس في اتجاهات ثلاثة: فريق انضم إلى النقيب مفتاح محافظا على ولائه للحركة الوطنية بزعامة مصالي الحاج، وفريق ثان انضم إلى جيش التحرير الوطني، بينما فضل فريق ثالث تسليم نفسه لجيش الاحتلال.
نتيجة للخلافات التي بدأت تطفو على السطح بين قيادات حركة بلونيس وقنابل الرسائل التيبدأت تنفجر تحت أقدام العملاء، كان انهيار هذه الحركة من داخلها على يد حلفاء بلونيس(مفتاح وعبد القادر لطرشالذين اكتشفوا حقيقة بلونيس بأنه قام بتضليل الشعب ودعاهم إلى الجهاد باسم مصالي الحاج، ولكن ضرورة التغيير هي التي جعلت حلفاءه يبادرون بالانقلاب عليه
وما زاد من إصرارهم على التخلص منه، هو إقدام بلونيس على استدعاء كل من كتيبة مفتاح وعبد القادر لطرش، وأمر مفتاح بأن يأخذ ثلاثين جنديا، لاستطلاع المنطقة التيسيعسكر فيها وهي وادي خلفون، لكنه عند ذهابه فوجئ بكمين نصبه له محمد بلهادي ونشبت مناوشاتٌ بين جنودهما، وتمكن مفتاح من القبض على محمد بلهادي حيث اقتاده إلى بلونيس وطلب منه ألا يقتله فوعده بذلك.
 في هذه الأثناء تأكد لبلونيس أن مفتاح لم يكن يخطط لانقلاب وشيك، لكنه أخذ حذره منه ومن عبد القادر لطرشوما كان من بلونيس إلا أن قام بإعطاء الجيش المدرب لعبد القادر لطرش وأمره بالتوجه إلى قعدة القمامتة، وإعطاء الجيش غير المدرب لمفتاح وأمره بالتوجه إلى وادي خلفون، لكن هذا الأمر جعل قادة الكتيبتين يتفطنون للمكيدة فقد دعا مفتاح كل من "عبد القادر لطرش، أحمد بن عبد الله ومحاد بن لكحل والبشير بن الحاج قويدرإلى بيت مصطفى الصحراوي في دار الشيوخ وذلك قبل أن ينطلق كل منهما إلى المكان المحدد له، اجتمعوا فيبيته وقرروا أن يقوموا بالانقلاب على بلونيس.
وهنا نسرد شهادة المجاهد الشريف بن سالم الذي طلب منه مفتاح  إحضار شاحنتين وأنه وجنوده سينطلقون الليلة على الساعة الثانية ليلا، وفعلا اتجه الشريف إلى مستودع الشاحنات الذي كان مصطفى الصحراوي هو المسؤول عنه، فدخل إليه وأخرج شاحنة، لكنه تذكر أنه يجب عليه أن يُحضر شخصا ليسوق الشاحنة الثانية ليتوجه رفقة مفتاح إلى أحدهم كان قد دربه على قيادة الشاحنة من قبل، لينطلقا إلى بيته، بعدما وصلا إلى منزله خرج والده الذي يدعى الشريف بن المبروك فطلب منه مفتاح أن يبعث معهم ابنه ليذهب ويسوق الشاحنةفي بادئ الأمر تردد الشريف لكن مفتاح أقنعه وأعطى له ضمانات بأن ابنه سيعود سالما، وفعلا خرج معهم عبد القادر واتجهوا بعد ذلك إلى المستودع وأخرجوا الشاحنتين،ليذهبوا أثناء تلك الليلة إلى قعدة القمامتة، وللعلم أن الكتيبة التي كانت معهم كل جنودها غير مدربين بصفة جيدة، وبوصولهم إلى المكان المعين وجدوا عبد القادر لطرش في انتظارهم حيث سبقهم إلى هناك.

حركة بلونيس تُفجّر من الداخل
بالتقاء عبد القادر لطرش ومفتاح، أصبح الأمر واضحا بأن هدفهما الوحيد هو اجتثاث بلونيس الذي حاد عن المبادئ التي دعا إليها مصالي الحاج، واتفقا على رسم خطة مفادها أن يقنعا الجميع بأنهما غير متفاهمين وهو ما حدث فعلا حيث وصلت أنباء هذا الخلاف إلى بلونيس الذي قام بإرسال مبعوث وهو العقيد حسين حجيجي، لكي يعرف ما جرى بينهما، فقام المبعوث بحل هذا الخلاف المفبرك، حيث أعطى الكتيبة المكونة من قدامى المصاليين إلى مفتاح،والكتيبة غير المدربة إلى عبد القادر لطرشبعد ذلك توجه مفتاح مع جنوده إلى واد خلفون.
وبرغم إعطاء بلونيس وعدا لمفتاح بالحفاظ على حياة محمد بالهادي إلا أنه قام بقتله، لينتشر خبر مقتله ويصل إلى مفتاح الذي قرر الانقلاب على حليفه السابق، فقام حينها بإيفاد ثلاثة جنود إلى دار الشيوخ وهم (الشيخ بلحرش، عمراوي بولنوار، شنوفي لخضر)، محملين برسالة إلى أعوانه في دار الشيوخ مفادها "أنني سأعود وأقوم بالانقلاب على الخائن بلونيس فكونوا في الموعد"، وفعلا أوصل الجنود الرسالة إلى سعد عطاوة وعبد القادر لمويعدي، اللذين أوصلا الرسالة إلى بلونيس هذا الأخير الذي قام باستبدال الجنود، وأوهم مفتاح بأن الجنود الذين بعثهم تعبوا من جراء السفر، وبأنهم ذهبوا إلى أهاليهم.
وصل الجنود الذين بعثهم سعد عطاوة إلى مفتاح وأعطوه الرسالة، التي كان محتواها أننا موافقون على الانقلاب وعليك أن تأتي في يوم 19 جوان 1958، وبذلك قام مفتاح بجمع عدد كبير من أتباعه لتكون وجهتهم إلى دار الشيوخ ورسم خطة للهجوم على إدارة بلونيس،لكن عبد القادر لطرش فاجأ مفتاح بطلبه والمتمثل في ذهابه أولا إلى بلونيس لأنه يصدّقه وأن له سلطة في جيشه، ووعده بأنه سيأتي به حيا، لكن مفتاح لم يكن يعلم أن بلونيس قد طوق المدينة بجيشه لعلمه بالخطة.
في اليوم الذي تقرر فيه تنفيذ الخطة، انطلق لطرش رفقة أحسن الجنود من كلا الفريقين وتوجها نحو دار الشيوخ بالجلفة يوم 19 جوان 1958، ولما وصلوا إليها بقي الجيش على أطراف المدينة، أما عبد القادر لطرش رفقة الملازم بلقاسم نويجم وعزوزي ومجموعة من الجنود، فقد توجهوا إلى مقر قيادة بلونيس
دخل القادة الثلاثة إلى بلونيس وخلال اللقاء طلبوا منه اتخاذ موقف واضح لصالح الاستقلال والالتزام بالولاء لمصالي وتعليماته، فما كان من بلونيس إلا أن أجابهم "لا يمكن أن أمنح الاستقلال ولست إلا جنديا، أما مصالي فلا أعترف به"، دامت المحادثات بين الطرفين إلى أن أسدل الليل ستاره، بعدها دعاهم بلونيس إلى تناول العشاء دون أن يفتكوا منه أية تنازلات،تواصل الحديث بعدها إلى حدود الساعة الواحدة ليلا حيث خرج بلقاسم نويجم بعدما سمع دويالرصاص، ليقتل عددا من الحراس الخاصين لبلونيس.
 اعتبر الجنود التابعون لبلقاسم خارج مقر القيادة ذلك بمثابة إشارة للهجوم، حيث هاجم جنود لطرش وبلقاسم مقر قيادة بلونيس وكان عبد الله السلمي على رأس فرقة الأمن بمقر قيادة بلونيس، فاستطاع بكفاءته وبفضل ظلام الليل أن يجعل جنود لطرش ومن معهم يتقاتلون فيما بينهموتمكن أنصار بلونيس من القضاء على قادة الانقلاب وهم "عبد القادر لطرش، بلقاسم نويجم وعزوزيفي اللحظة الأولى للاشتباك وفي مقر قيادة بلونيس، ليقوم جنود بلونيس بعدها بقطع أذني عبد القادر لطرش وجدع أنفهوقد تطابقت شهادة المجاهد بن سالم الشريف مع شهادة الكاتب الصحفي الفرنسي فيليب غيار في كتابه "التحالف".
أما الجنود الذين جاؤوا رفقة عبد القادر فقد مات أغلبُهم، وفي ذلك اليوم وقعت معركة عنيفة بين قوات بلونيس وقوات عبد القادر لطرش، امتلأت على إثرها الشوارع بالجثث، حيث قام أتباع بلونيس بتصفية أزيد من 700 مواطن يومي 20 و21 جوان 1958، وكان من بين الشهداء الشهيد عبد الرحمان حاشي الذي نفذ فيه العربي القبايلي حكم الإعدام أمام الملأ.
نتيجة لهذه الأحداث تشتتت فلول جيش بلونيس في اتجاهات ثلاثةفريق انضم إلى النقيب مفتاح محافظا على ولائه للحركة الوطنية بزعامة مصالي الحاج، وفريق ثان انضم إلى جيش التحرير الوطني، بينما فضل فريق ثالث تسليم نفسه لجيش الاحتلال، وكان على رأسه الضابط العربي مزيان القبايلي ورابح البرادي ومقريأما جنود عبد القادر لطرش فقد فرّوا بأسلحتهم إلى الجبال المجاورة.
                                            يُـتـبـــــــــــــــع

تعليقات

الأكثر قراءة

المـلـــــف : مصالي الحاج ( المولد ، النشأة و الكفاح )

نشأته
·مولده ونسبه : ولد أحمد مصالي الحاج ليلة 16 ماي 1898 في حي رحيبة بمدينة تلمسان العريقة ،أمه هي فاطمة بنت ساري حاج الدين القاضي الشرعي في تلمسان ، أما أبوه فيدعى أحمد ويتميز بقامته الطويلة التي تتجاوز مترين وعشر سنتيمترات ،وقد كلفه سكان مدينة تلمسان بحراسة ضريح الولي الصالح سيدي بومدين لتقواه و ورعه . ·طفولته : درس مصالي الحاج في المدرسة الأهلية الفرنسية في تلمسان ،فكان يتألم كثيرا لمدى اهتمام المدرسة بتاريخ فرنسا وتلقينه للتلاميذ في الوقت الذي غيب فيه تماما تاريخ وجغرافية وطنه ، ولاحظ الطفل أحمد الفرق الشاسع بين ما يتلقاه في المدرسة عن الحضارة والعدل الفرنسيين وما يشاهده في الواقع من اهانة واستغلال للجزائريين ، فأصبح التلميذ مصالي شديد الغضب يثور لكل صغيرة وكبيرة تمس زملاءه التلاميذ فلقب بــ"محامي القسم" مما دفع إدارة المدرسة إلى طرده سنة 1916.   كما تلقى مصالي الحج تربية دينية في زاوية الحاج محمد بن يلس التابعة للطريقة الدرقاوية بتلمسان .                           مارس الطفل أحمد إلى جانب دراسته عدة أعمال لمساعدة عائلته الفقيرة ، فاشتغل حلاقا فاسكافيا ثم بقالا وعمره لا  يتج…

مذكرات الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد

مذكرات الشاذلي بن جديد "ملامح حياة"- الجزء الأول .بن بلة كان يحب الدسائس وهو من ألّب شعباني ضد بومدين
 بومدين كان يرفض مغادرة الجزائر خوفا من غدر الرئيس بن بلة صرخة "سبع سنين بركات" كانت كافية لإطفاء فتنة صائفة 62
كانت خطواتي الأولى في عالم السياسة تحت تأثير الوالد الذي كان مرشدي الحصيف في هذا الميدان، كنت، بالطبع، أسمع بأسماء مصالي الحاج وفرحات عباس والشيخ الإبراهيمي، لكنني لم أكن أدرك، في مثل سني، مغزى الصراعات التي كانت تجري آنذاك بينهم وبين الإدارة الإستعمارية، كان مستوى النقاش السياسي يتجاوز حدود مداركي. لذا كان علي أن أتعلم بنفسي.
وجدتني وأنا بعد شاب يافع أدخل عالم السياسة من باب الإنتخابات. فقد شجعني والدي على المشاركة كمراقب في انتخابات 1947 التي جرت بعد مصادقة البرلمان الفرنسي على القانون الأساسي للجزائر الذي رفضته كل الأحزاب الوطنية. واختارني لأداء تلك المهمة معلم فرنسي كان يرأس مركز الإنتخابات في أولاد دياب لحثهم على التصويت على لوائح الحزب، وإفشال التزوير الذي كنا نخشى منه، كانت أول تجربة لي اكتشفت خلالها المبادئ الأولى للعمل الحزبي، وأهمها الدعاية السيا…

الملف : مصالي الحاج ، الزعيم الجزائري المظلوم

مصالي الحاج : أبو الأمة إنهالزعيم الوطني الكبير مصالي الذي أفنى حياته في السجون و المعتقلات والمنفى دفاعا عن الجزائر و الجزائريين و لكنه مات غريبا في فرنسا التي كافحها منذ العشرينيات والمأساة الكبرى تكمن في أنه مات محروما من الجنسية الجزائرية ، و حتى السلطات الجزائرية التي وافقت عند وفاته سنة 1973م على دفنه في الجزائر اشترطت أن يتم ذلك في صمت تام بعيدا عن كل الأضواء ولكن أبى أهله وأصدقاؤه إلا أن يكسروا جدار الخوف و استقبلوا جثمانه بحماس كبير مرددين نشيد حزب الشعب "فداء الجزائر" وسط زغاريد النسوة و في جو من الحسرة و الخشوع بأعين دامعة و قلوب تعتصرها الآلام . و قد ظل الحصار مضروبا على الرجل حتى و هو ميت في قبره إذ منعت السلطات كل من حاول تنظيم الندوات التي تتناول حياته و نضاله ، كما منع الترخيص بالنشاط لحزب الشعب الجزائري غداة إصدار قانون "الجمعيات ذات الطابع السياسي" سنة 1989م بسبب واه تمثل في " السلوك المضاد للثورة أثناء حرب التحرير" و هي تهمة تعني الخيانة للوطن رغم أن المؤرخين لم يثبتوها،وإنصافا لهذا الزعيم المظلوم نريد أن نميط اللثام عن بعض جوانب حياته ا…