إذا سكت أهل الحق عن الباطل ظن أهل الباطل أنهم على حق
Nouveau : Messali Hadj ( 1898 - 1974 ) : De la naissance d'un leader nationaliste maghrebin par : El Hassar Bénali journaliste et auteur. Secrétaire général du premier colloque international sur Messali Hadj organisé en 2000 à Tlemcen... Lisez l'article en trois parties sur nos pages

الخميس، 26 ديسمبر، 2013

حول تمرد الأفافاس

 ابن القائد التاريخي محند ولحاج يكشف ما كتبه والده عن تمرد الأفافاس: 

 "آيت احمد حمل السلاح لفرض الديمقراطية الحقيقية على بن بلة"

  فاطمة عكوش
الضابط السابق سي محند سعيد آكلي
                                الضابط السابق سي محند سعيد آكلي
 من الصعب أن تضرب موعدا للقاء الضابط السابق سي محند سعيد آكلي، نجل العقيد "سي محند ولحاج" وذلك لكثرة ارتباطاته وتحركاته ونشاطه في ميدان البحث فى تاريخ الجزائر، إلا أن ضيفنا تقبَّل بصدر رحب الاستمرار في سرد شهاداته الموثقة لـ"الشروق اليومي" من اجل نفض الغبار عن الكثير من الحقائق التاريخية التي يجهلها الكثير لأسباب متعددة، وتأسف السيد سي محند آكلي ولحاج أسفا شديدا لتغييب ذاكرة الأمة في برامجنا التربوية والعلمية والثقافية بقصد أو من دون قصد من أصحاب الشأن القائمين على البلاد، الأمر الذي أوقعنا حسبه في فراغ شامل فتح الباب على مصراعيه ليمتد الغزو الثقافي إلى عقول الأجيال التي جاءت بعد استرجاع الاستقلال.
ورحب ضيفنا بمبادرة "الشروق اليومي" التي فتحت صفحاتها لصناع التاريخ، وقد تمركز الحديث الذي جمعنا مع السيد سي محند السعيد آكلي عن أزمة صائفة 1962 وما أعقبها من تمرد لزعيم الأفافاس السيد حسين آيت احمد على سلطة الرئيس بن بلة سنة 1963، وهي من بين الملفات الحساسة والتي أخذت منا وقتا طويلا نظرا لحساسية الموضوع والتي جعلت الكثير من قدامى المجاهدين والذين إنضووا تحت لواء "الافافاس" خاصة بالبويرة يقبلون منذ الوهلة الأولى تقديم شهاداتهم، لكنهم تراجعوا في آخر لحظة خاصة مع سماعهم أنباء عن شروع الحكومة في التحضير لتعويض ضحايا "أحداث 63"، وذلك ضمن سياق توسيع مشروع المصالحة الوطنية وجعلها مظلة تجمع ضحايا مختلف المحطات التاريخية.
لكن ضيفنا والذي سبق له وأن ألَّف كتابا بعنوان "الجبال تتذكر الأبطال" وفق في فك بعض الشفرات الغامضة التي تحوم حول هذا الحدث الذي يُطلق عليه وصفُ "تمرد الافافاس" ضد بن بلة. وكان اللقاء قد جمعنا بابن محند ولحاج على هامش الاحتفال بالمسيرة البطولية لوالده العقيد أكلي محند أولحاج أحد قادة الولاية الثالثة التاريخية بمناسبة إحياء الذكرى الـ41 لوفاته خلال لقاء نظمته جمعية "مشعل الشهيد" بجامعة البويرة مؤخراً، حيث جرى اللقاء بحضور المجاهد والوزير السابق للشؤون الدينية والأوقاف السيد عبد الحفيظ أمقران والقائد السابق لجيش التحرير الوطني لخضر بورقعة اللذين عرضا خصال وقدرات هذا المحارب البطل إبان ثورة التحرير الوطني الذي لقب بـ"الثعلب" نظرا لما كان يتمتع به من حنكة في إستراتيجية الحرب.
يقول ابن العقيد محند ولحاج وهو يستذكر العديد من الأحداث التاريخية التي عاشها شخصيا والتي كتبها والده بخط يده وما يزال يحتفظ بها إلى غاية اليوم، إنه بعد تشكيل الحكومة المؤقتة بتاريخ 19 سبتمبر 1958 برئاسة فرحات عباس تعمِّق الشرخ في صفوف المجاهدين بين مؤيد ومعارض لها، الأمر الذي ترتبت عنه فتن ومؤامرات راح ضحيتها العديد من المجاهدين، وهذا لأن الحكومة المؤقتة جاءت نتيجة لتطور تاريخي إيجابي، فالحكومة المؤقتة ليست من صنع فرحات عباس أو غيره وإنما هي محطة هامة من مسار تاريخ الجزائر النضالي والثوري، فبقدر ما استطاع مؤتمر الصومام أن ينظم الثورة الجزائرية ويضع الآليات الكفيلة التي مكنت من مواصلة مسيرتها بنجاح، كانت كذلك الحكومة المؤقتة آلية مكنت الثورة الجزائرية من أن تواجه وضعا كان لابد من مواجهته.
 من ناحية أخرى، فإن فكرة الحكومة المؤقتة لم تأت من فراغ وإنما جاءت بعد قرار اتخذه المجلس الوطني للثورة الجزائرية الذي هو الهيئة العليا للثورة بدورة القاهرة في شهر أوت 1957. ثم تلا ذلك اجتماعُ فبراير 1958 الذي درس التقارير المقدَّمة في الموضوع، وفي مؤتمر طنجة سنة 1958، أشعرت الجبهة شركاءها وهما تونس والمغرب أنها عازمة على تشكيل الحكومة المؤقتة التي باركها البلدان الجاران.
بعد وصول آيت أحمد تغيرت الأمور وتم حل "الاتحاد من أجل الدفاع عن الثورة الاشتراكية" وإنشاء حزب "جبهة القوى الاشتراكية" واتخاذ قرار الإعلان رسميا عن ذلك يوم 29 سبتمبر 1963 بمدينة تيزي وزو أمام المئات من المواطنين الذين رددوا خطبته المشهورة: "إننا سكان منطقة القبائل ضد دكتاتورية بن بلة ونحن اليوم مجبرون على سلك طريق الكفاح للتمكن من إيجاد حلول للمشاكل التي تثقل كاهل الدولة الجزائرية المستقلة الفتية برفع السلاح والتوجه إلى الجبال من أجل قلب النظام".
وفي 29 ماي 1958 عقد كريم بلقاسم ندوة صحفية وأعلن أن تأسيس الحكومة المؤقتة سيكون قريباً وبعدها في 19سبتمبر 1958 تم الإعلان عن تأسيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، فالبيان كان برنامجا يستند إلى أيديولوجية واضحة المعالم، أما أمر قيادة الحكومة المؤقتة فكان يمكن أن يُسند لأي شخص كان من قيادات الثورة، ولكن الاختيار وقع على فرحات عباس لأنه كان شخصية سياسية معروفة وذات كفاءة عالية ورجلا مثقفا، ويجب أن لاننساق إلى ما يروّج من أنه لم يكن وطنيا، فهذا غير صحيح، بل كان على العكس نموذجا للوطنية بحق وذا حنكة سياسية عالية وينطلق من أيدلوجية سياسية واضحة المعالم، ففرحات عباس كان يدعو إلى أن تكون اللغة العربية لغة رسمية والعمل على إحيائها وتطويرها، وهو صاحب فكرة "الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الاجتماعية" في مشروع دستوري قدّمه للبرلمان الفرنسي سنة 1948، والذي أضافت إليه جبهة التحرير الوطني في بيان نوفمبر 1954 عبارة "في إطار المبادئ الإسلامية"، إذن فرحات عباس هو شريك حقيقي منذ البداية وإن لم يكن يدعو إلى استخدام الكفاح المسلح من أجل استرجاع السيادة الوطنية مكتفيا باستخدام الطرق السياسية والدبلوماسية، ولكن المهم أن الهدف كان واحدا، هذا وقد كان فرحات عباس عضوا في لجنة التنسيق والتنفيذ وفي عُرف الثورة كل الأعضاء متساوون والقيادة كانت جماعية، إذن لماذا المزايدة على تولي فرحات عباس قيادة الحكومة، ولو تولى أحد آخر المسؤولية مكانه لوجد المغرضون ما يقولون في حقه. 

محند ولحاج وديكتاتورية بن بلة 
 العقيد آكلي محند اولحاج واسمه الحقيقي آكلي مقران، ولد في7 مارس 1911 ببوزقان بولاية تيزي وزو، وكان معروفا بحكمته وأخلاقه المثالية من عدل وإخلاص؛ ففي مطلع 1955 التحق بالكفاح من أجل تحرير الوطن رفقة ثلاثة من أبنائه، كما تبرّع بكل ممتلكاته لفائدة الثورة، وقد تمكن بفضل شخصيته القوية وخصاله من الارتقاء في مختلف الرتب في صفوف جيش التحرير الوطني حيث عيِّن قائدا ثم نائب مسؤول سياسي للعقيد عميروش سنة 1957 قبل أن يخلفه سنة 1959على رأس قيادة الولاية الثالثة التاريخية. 
وكان العقيد آكلي محند أولحاج يحظى بتقدير واحترام الجميع وعلى كل مستويات القيادة بفضل تصرفه وشخصيته، حيث كان رفقاء السلاح يطلقون عليه تسمية "أمغار" أي الشيخ، ليس لكبر سنه، ولكن لما كان يتمتع به من حكمة وكان محل احترام الجميع، نظرا لما كان يمتاز به من شجاعة وإخلاص وحبه للوطن وتفانيه في خدمة القضية الوطنية.
 وأكد ابنه سي محند السعيد آكلي أن والده كان يستعدّ بعد الاستقلال للمشاركة إلى جانب شخصيات أخرى لوضع حد لديكتاتورية بن بلة ووزير دفاعه بومدين وإرساء ديمقراطية حقيقية في الجزائر المستقلة، فقام كريم بلقاسم وهو وجهٌ ثوري معروف بالانضمام إلى محند ولحاج تحت لواء "الاتحاد من أجل الدفاع عن الثورة الاشتراكية" وهذا من أجل تنفيذ الخطة المبرمَجة ضد الحكومة وقلب نظام بن بلة وتنصيب حكومة الوحدة الوطنية حتى يتم تمثيل جميع التوجهات السياسية، لكن مباشرة بعد وصول آيت احمد تغيرت الأمور وتم حل "الاتحاد من أجل الدفاع عن الثورة الاشتراكية" وإنشاء حزب "جبهة القوى الاشتراكية" واتخاذ قرار الإعلان رسميا عن ذلك يوم 29 سبتمبر 1963 بمدينة تيزي وزو أمام المئات من المواطنين الذين رددوا خطبته المشهورة: "إننا سكان منطقة القبائل ضد دكتاتورية بن بلة ونحن اليوم مجبرون على سلك طريق الكفاح للتمكن من إيجاد حلول للمشاكل التي تثقل كاهل الدولة الجزائرية المستقلة الفتية برفع السلاح والتوجه إلى الجبال من أجل قلب النظام".
لكن العقيد محند ولحاج استجاب لنداء الوطن وقرر وضع حد لحركة التمرد المسلحة بمقولته المشهورة "الجزائر قبل كل شيء" وقرَّر إرسال جميع المجاهدين إلى الحدود الغربية للدفاع عن الوحدة الترابية خلال ما سمي بحرب الرمال.

آيت أحمد يعلن المعارضة 
بعد الاستقلال أعلن حسين آيت أحمد معارضته للجماعة التي كان يقودها بن بلة وفرحات عباس ومن ورائها قيادة الأركان العامة لجيش التحرير الوطني التي كان يقودها بومدين، وندد بتشكيل جماعتي تلمسان وتيزي وزو ودعا إلى وقف المواقف العدائية والدخول في حرب أهلية واحتك بالقوى السياسية والنقابية آنذاك من أجل هذا الهدف وكانت هناك مسيرات تنادي بشعار "سبع سنين بركات". 
انتخب نائبا عن ولاية سطيف في المجلس التأسيسي في مهمة محددة وهي إعداد دستور للجزائر المستقلة يوضع أمام الشعب للاستفتاء، إلا أن لجوء الرئيس أحمد بن بلة إلى تبني دستور موازٍ في "سينما إفريقيا" بالعاصمة أفقد المجلس التأسيسي مهامه وصلاحياته فاستقال من المجلس التأسيس رفقة مجموعة من النواب بما فيهم رئيس المجلس فرحات عباس. وبقي معارضا لحكم بن بلة بعد أن أعلن عن حركة تمرد عسكرية رفقة العقيد قائد الولاية الثالثة محند أولحاج وبتغطية سياسية من طرف حزب جبهة القوى الاشتراكية.
 ويؤكد متحدثنا أنه بعد استقلال الجزائر، طلب حسين آيت أحمد من العقيد محند ولحاج ضرورة تنظيم أنفسهم من أجل ترتيب أمور الجزائر المستقلة، ولما استفسره عن الطريق الصحيح الذي يمكن انتهاجه، أعلمه آيت أحمد بنيَّته في تأسيس حزب سياسي، وهو المقترح الذي تقبله العقيد محند ولحاج وتم تأسيس حزب "جبهة القوى الاشتراكية" بحضور حوالي 15 شخصا من بينهم كريم بلقاسم، بوضياف، محند ولحاج، بلقايد وآخرين، واجتمعوا لأول مرة بمدينة تيزي وزو يوم 25 سبتمبر 1963 .
العقيد محند ولحاج استجاب لنداء الوطن وقرر وضع حد لحركة التمرد المسلحة بمقولته المشهورة "الجزائر قبل كل شيء" وقرَّر إرسال جميع المجاهدين إلى الحدود الغربية للدفاع عن الوحدة الترابية خلال ما سمي بحرب الرمال.وخلال أشغال الاجتماع التأسيسي لحزب جبهة القوى الاشتراكية استسمح نائب العقيد محند ولحاج المجتمعين بترك أشغال الاجتماع للتنقل إلى العاصمة في زيارة عائلية، لكنه توجه مباشرة من أجل إخبار كل من بومدين وبن بلة بأن "أمغار"و"سي الحوسين" بصدد تأسيس حزب سياسي، وحينها أرسل بومدين وبن بلة للعقيد محند ولحاج برقية يطالبونه فيها بضرورة التنقل بطريقة مستعجلة إلى العاصمة، بعد أن أعلموه أنهما على عِلم بما يقوم به، لكن يوم 29 سبتمبر 1963 التحق العديد من المجاهدين الذين كانوا تحت مسؤولية "أمغار" إلى الجبال.
 وبعدها تم تنظيم عدة اتصالات لإيقاف التمرد، وتنقل إلى العاصمة كل من عمر أوصديق وعلي يحيى عبد النور ومحند ولحاج من أجل التفاوض، وقبلها كانوا قد عقدوا اجتماعا بضواحي الجمعة السحاريج بمقلع، وتم انتداب لجنة للتشاور مع الحكومة، ومن بين المطالب المرفوعة ضرورة الإفراج عن جميع المجاهدين المتمردين الذين تم سجنهم وإرجاعهم إلى مناصب عملهم. وأكد ابن العقيد محند ولحاج أن والده كتب في إحدى الوثائق التاريخية التي ما تزال بحوزته أن وزير الدفاع هواري بومدين عندما التقاه أخبره بالظرف الطارئ الذي تعيشه الجزائر بسبب قرار الملك المغربي الحسن الثاني بغزو تندوف، وطلب منه تجنيد المجاهدين للتنقل إلى الحدود، فقبل "أمغار" ذلك، لكنه اشترط على بومدين ضرورة الاعتراف بصفة شهيد لضحايا 1963، وبعد عدة أيام من المفاوضات الماراطونية عاد محند ولحاج إلى"ايفيغا" حيث يوجد مركز عسكري للجيش، ومباشرة اتصل بآيت أحمد ليخبره بفحوى لقائه ببومدين، وطلب منه ضرورة إيقاف التمرد العسكري والتجند لحماية الجزائر، ويضيف محدثنا أن حركة التمرد دامت بضعة أشهر فقط قبل أن يتخلى محند أولحاج عن آيت احمد أثناء مع يعرف بـ"حرب الرمال" مع المغرب وانتهت عملية التمرد بمقتل ما لا يقل عن 450 مجاهد من الولاية الثالثة والرابعة وباعتقال آيت احمد في أكتوبر من عام 1964 وإصدار حكم بالإعدام في حقه، لكنه استفاد من تخفيف رئاسي للعقوبة من قبل أحمد بن بلة قبل التوصُّل إلى اتفاق بين حزبي جبهة التحرير الوطني وجبهة القوى الاشتراكية يقضي بالذهاب تدريجياً نحو التعددية السياسية، أعلن عنه في 16 جوان من عام 1965، أي ثلاثة أيام فقط قبل الانقلاب على بن بلة، وفي 30 أفريل 1966 فر آيت أحمد من سجن الحراش في ظروف غامضة، واضطر للعيش في المنفى بأوروبا دون التخلي عن النشاط السياسي الذي أضاف له النشاط العلمي ومواصلة الدراسة الجامعية وتحصَّل على ليسانس في الحقوق من جامعة لوزان، وناقش أطروحة في الحقوق في نانسي بفرنسا، عام 1975، وظل مدافعا عن الديمقراطية وحقوق الإنسان. كما ألف عدة كتب حول الحركة الوطنية والكفاح المسلح منها "الحرب وما بعد الحرب" و"الآفرو فاشية" وهو عنوان أطروحته، "مذكرات مكافح" وأخيراً "قضية مسيلي".

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق