التخطي إلى المحتوى الرئيسي

حول تمرد أيت أحمد : شعلال أمحند السعيد يروي جانباً من فصول التمرّد:

شعلال أمحند السعيد يروي جانباً من فصول التمرّد:

التحقت بمقاتلي آيت أحمد وعمري لا يتجاوز السادسة عشرة

مكتب بجاية: مبروك. ع / طباخ. ج
القائد التاريخي - حسين آيت أحمد
القائد التاريخي - حسين آيت أحمد
يروي السيد شعلال أمحند السعيد في شهاداته المقدمة لـ"الشروق" التزامه الأخوي لشقيقه المجاهد والملازم الأول عبد القادر شعلال، الذي دفعه إلى الانخراط في حركة التمرد أو ما يسميه "الكفاح من أجل الديمقراطية" ما بين سنتي 1963 و1965 وهو مراهق لا يتعدى الـ16 سنة والذي تولى فيه مهمة التمويل ونقل الرسائل. وكذا مراحل التحضير والإعداد التي شارك فيها شقيقه بمنطقة سيدي عياد التي هجرها العديد من الأهالي الرافضين دفع الإتاوات المفروضة عليهم لفائدة الحركة، وكذا مختلف أشكال التعذيب التي لقيها بسجنه في بلدية سيدي عيش آخرها كانت على يد اليامين زروال.

رأيت كتيبة تزوّد شقيقي بالعتاد
يقول المجاهد أمحند السعيد: البداية كانت خلال عملية إعادة تشييد منزلنا بعد الاستقلال رفقة شقيقي المجاهد والملازم الأول إبان حرب التحرير عبد القادر شعلال، حيث لمحتُ في أحد الأيام وأنا الذي كنت صغيرا من مواليد 17/10/1948 كتيبة من الجيش متوجهة نحونا وقت المغرب مكونة من حوالي 300 جندي تركوا جميعا محتويات حقائبهم لدى شقيقي وزودوه بقطعة سلاح في الوقت الذي توليت فيه أنا وبأمر من أخي إدخال العتاد إلى البيت، أما هو فرافقهم إلى غاية مخرج القرية، قبل أن يعود أدراجه ويأمرني بالخلود للنوم. وفي صباح اليوم الموالي لم أجد شيئا من عتاد الجنود بالبيت، ولم أشعر حتى بساعة إخراج شقيقي لهم.
ومنذ ذلك الحين شهد الملازم الأول عبد القادر شعلال تنقلات في أرجاء مختلفة من الوطن في سرية تامة، كما عمل منذ تلك اللحظة على التزود بالسلاح الذي لم يفارقه إطلاقا إلى غاية بروز حركة التمرّد التي انخرط فيها علناً، وكنت أنا أتولى مهمة نقل الرسائل حينها بين مختلف العناصر بأوامر من أخي الذي لم أرفض له طلباً.

هروب العديد من الأهالي من القرية 
بعد استكمال أشواط التحضير السري لحركة التمرّد التي تزعمها حسين آيت أحمد وبروزها للعلن، نظم شقيقي عبد القادر العديد من التجمعات الشعبية بمسقط رأسنا منطقة سيدي عياد ببجاية شرح خلالها للأهالي دوافع هذا التنظيم الذي يجب أن يتجند له الجميع من خلال دعم معنوي ومادي، لكن العديد من أهالي المنطقة رفضوا الوضع ودفع أموال لمساعدة الحركة وقرروا النزوح إلى منطقة سيدي عيش. في الوقت الذي استجاب فيه آخرون للنداء حيث كانت الحركة تضم حتى النساء، من بينهن امرأة كانت رفقة شقيقي واضطررنا إلى نقلها بعد التبليغ عنا من قبل أحد مناضلي الأفافاس الذي استسلم وكذا قطعا لألسنة السوء إلى قلعة فناية، في حين رافقت شقيقي مجبرا إلى الجبل. 

خلافي مع شقيقي وتوقيفي 
بالنظر إلى صغر سني، لم أكن قادرا على تبني دوافع شقيقي الذي دخلت في خلاف معه حيث أوضحت له رغبتي في العودة إلى المنزل في الوقت الذي رفض فيه ذلك، ما دفعني كي أقول له "أنت قضيت 7 سنوات في الجبل وهُضم حقك الذي تحاول اليوم الدفاع عنه، ولكن ما دخلي أنا كطفل صغير؟ ومن أجل ماذا أناضل؟" وكانت ردة فعل شقيقي عنيفة حينما حاول صفعي، لكن المكنى "سي أمحند أرزقي" منعه وطلب منه أن يمنحني حرية الاختيار وهو ما جعله يوافق على التحاقي بالبيت شريطة أن أزوده في اليوم الموالي بالطعام إن لم يحاصر الجيش القرية وهو ما وافقت عليه.
وصلت إلى البيت في ساعة متأخِّرة من الليل، وجراء التعب خلدت مباشرة إلى النوم وأنا بالزي العسكري والحذاء. وفي صباح الغد التحفت برنوساً وقصدت أحد منابع القرية الذي غسلت فيه وجهي وبعدها كانت الوجهة المسجد الذي لم أجد فيه سوى الإمام، وطوال طريقي لم أصادف أحدا من سكان القرية التي كانت خاوية على عروشها، وحينما هممت بمسح وجهي بحافة البرنوس سمعت صوت الجندي أمامي ففهمت بعدها أن القرية مُحاصَرة وفُرض فيها حظر للتجوال، ما جعلهم يترصدون حركتي بواسطة المنظار.
آخر فصول التعذيب التي لا تزال راسخة بذاكرتي ذقتها على يد الجنرال المتقاعد حالياً اليامين زروال، حيث ألحقني الجنود والدماء تسيل مني بمكتبه وقالوا له "دبر راسك فيه اقتلو والا أطلقو" هذا الأخير كان جالسا بمكتبه قبل أن يقوم متمايلا باتجاهي وطلب مني أن أعترف، غير أنني قلت له "ألا تخاف الله؟ كيف لعناصر الحركة أن يثقوا بطفل عمره 16سنة ويسلموه كل هذا العتاد؟" فردّ هو "وهل تعرف الله أنت؟"، بعدها ركلني بقوة بحذائه العسكري على مستوى الحوض.
الجندي سألني إن كنت أنا عبد القادر؟ فقلت له لا، فعاتبني على لبسي للزي العسكري كاملا كوننا في مرحلة حرب، فأجبت بأني فلاح ولا أملك ما ألبسه. بعدها طلبوا من الإمام مرافقتهم إلى منزل عبد القادر شقيقي، هذا الأخير اقتادهم إلى بيته وأعلمهم أني شقيق عبد القادر لتكون الوجهة منزلنا الذي فتشوه دون أن يجدوا أي شيء، في حين قاموا بتسريحي، وتوجّهت نحو الغابة للاحتطاب وسط إطلاق كثيف للنار. وبعد عودتي إلى البيت قام 5 جنود بتوقيفي وربْطي إلى جذع الشجرة وكان ذلك في 2 ماي 1964. 

مقتل أخي 
أمام عدم إقدامي على تزويد عبد القادر بالغذاء في الوقت المحدد بيننا سالفا، قرر النزول إلى القرية رفقة المكنى "سي محند الشريف البرباشي" لاستطلاع الأمر، حيث أخبره بعض الرعاة أن القرية محاصَرة وتم توقيفي، ما جعله يقرر تخليصي منهم، غير أن الجنود تمكنوا من رصده بواسطة المنظار وقاموا بفك قيدي والاحتفاظ بي كرهينة وإطلاق النار عليه وملاحقته إلى غاية منطقة افتيسن، وبالتحديد على مستوى خط السكة الحديدية التي بلغناها وقت المغرب، حيث حاول أحد الجنود الإمساك بأخي حيا بعدما كان بإمكانه القضاء عليه بالرصاص، غير أن أخي أطلق النار عليه وأصابه بجروح سمحت له بمواصلة فراره وسط الأحراش التي يعرفها جيدا. أما أنا فتم تحويلي إلى ثكنة سيدي عيش التي قضيت فيها أزيد من 4 أشهر ولم يُفرج عني إلا بعد القضاء على أخي بيوم واحد في اشتباك 13 سبتمبر 1964.
قبل إطلاق سراحي بيوم تم عرض جثة أخي و4 عناصر آخرين أمام مقر البلدية، وبعد عملية التعرف عليها طلب مني أحد الجنود أن أقول رأيي في القضية فقلت بالحرف الواحد: "لا اله إلا الله مات أخي فحلاً بسلاحه ولم يكن سارقا" ما جعل الجندي يقول لمرافقيه "أدوه الفوق وأعطوه الحس" وتولى عملية تعذيبي 7 جنود، وفي اليوم الموالي أُفرج عني حيث وجدت عند باب الثكنة أمي وجدتي ولم أكن قادرا على المشي من شدة التعذيب والدماء تسيل من كل مكان في جسدي، ما جعل أحد سكان القرية يتولى عملية حملي على حماره إلى البيت.

وشاية تعيدني إلى السجن 
بعد أسبوع واحد من مغادرتي للسجن أقدم المكنى "رشيد" الذي كان محسوبا على الافافاس قبل أن ينقلب عليه، على إبلاغ الجنود بأني كنت أقوم بإطعام عناصر الحركة، كما أني أحوز العديد من قطع السلاح التي تركها أخي عبد القادر أمانة عندي ناهيك عن البدلات العسكرية، ما جعل الجنود يقصدون منزلي وينتزعوني من أحضان العائلة مرة أخرى وسط عويل وبكاء كبير من قِبل أمي.
عند وصولي إلى الثكنة أمرني أحد الجنود بإعادة تركة أخي لهم حتى أتمكن من العودة إلى حضن أمي، لكني أخبرته أني كنت أحوز على آلة راقنة واستعادها أخي بعد ذلك، وهي الإجابة التي كانت نتيجتها صفعة من الجندي وإدخال رأسي في الحوض المائي عدة مرات، وبعدها صفق بيديه وخرج المكنى "رشيد" الذي واجهني بهذه المعلومات التي أنكرتها من جهتي. بعدها حُوِّلت إلى غرفة التعذيب التي قضيت فيها 7 أيام كاملة ذقت خلالها كل أشكال المرارة أهمها حين جردوني من ملابسي وربطوني في انتظار مراحل أخرى حالت العناية الإلهية دون حدوثها بعدما دخل قائد الكتيبة الذي فك قيدي وصب جام سخطه على الجنود الذين أمرهم بعدم الاقتراب مني مجددا وإلحاقي بزنزانتي بأمر موجّه إلى المكنى "شايب عمار".
وآخر فصول التعذيب التي لا تزال راسخة بذاكرتي ذقتها على يد الجنرال المتقاعد حالياً اليامين زروال، حيث ألحقني الجنود والدماء تسيل مني بمكتبه وقالوا له "دبر راسك فيه اقتلو والا أطلقو" هذا الأخير كان جالسا بمكتبه قبل أن يقوم متمايلا باتجاهي وطلب مني أن أعترف، غير أنني قلت له "ألا تخاف الله؟ كيف لعناصر الحركة أن يثقوا بطفل عمره 16 سنة ويسلموه كل هذا العتاد؟" فردّ هو "وهل تعرف الله أنت؟"، بعدها ركلني بقوة بحذائه العسكري على مستوى الحوض. هذا وبقيت في السجن إلى غاية 16 جوان 1965 قبل أن يُطلق سراحي فور اتفاق الأفافاس وبن بلة على إنهاء الأزمة والذي لم يصمد سوى ثلاثة أيام قبل أن يعصف به انقلاب بومدين في 19 جوان 1965.

تعليقات

الأكثر قراءة

المـلـــــف : مصالي الحاج ( المولد ، النشأة و الكفاح )

نشأته
·مولده ونسبه : ولد أحمد مصالي الحاج ليلة 16 ماي 1898 في حي رحيبة بمدينة تلمسان العريقة ،أمه هي فاطمة بنت ساري حاج الدين القاضي الشرعي في تلمسان ، أما أبوه فيدعى أحمد ويتميز بقامته الطويلة التي تتجاوز مترين وعشر سنتيمترات ،وقد كلفه سكان مدينة تلمسان بحراسة ضريح الولي الصالح سيدي بومدين لتقواه و ورعه . ·طفولته : درس مصالي الحاج في المدرسة الأهلية الفرنسية في تلمسان ،فكان يتألم كثيرا لمدى اهتمام المدرسة بتاريخ فرنسا وتلقينه للتلاميذ في الوقت الذي غيب فيه تماما تاريخ وجغرافية وطنه ، ولاحظ الطفل أحمد الفرق الشاسع بين ما يتلقاه في المدرسة عن الحضارة والعدل الفرنسيين وما يشاهده في الواقع من اهانة واستغلال للجزائريين ، فأصبح التلميذ مصالي شديد الغضب يثور لكل صغيرة وكبيرة تمس زملاءه التلاميذ فلقب بــ"محامي القسم" مما دفع إدارة المدرسة إلى طرده سنة 1916.   كما تلقى مصالي الحج تربية دينية في زاوية الحاج محمد بن يلس التابعة للطريقة الدرقاوية بتلمسان .                           مارس الطفل أحمد إلى جانب دراسته عدة أعمال لمساعدة عائلته الفقيرة ، فاشتغل حلاقا فاسكافيا ثم بقالا وعمره لا  يتج…

مذكرات الرئيس الراحل الشاذلي بن جديد

مذكرات الشاذلي بن جديد "ملامح حياة"- الجزء الأول .بن بلة كان يحب الدسائس وهو من ألّب شعباني ضد بومدين
 بومدين كان يرفض مغادرة الجزائر خوفا من غدر الرئيس بن بلة صرخة "سبع سنين بركات" كانت كافية لإطفاء فتنة صائفة 62
كانت خطواتي الأولى في عالم السياسة تحت تأثير الوالد الذي كان مرشدي الحصيف في هذا الميدان، كنت، بالطبع، أسمع بأسماء مصالي الحاج وفرحات عباس والشيخ الإبراهيمي، لكنني لم أكن أدرك، في مثل سني، مغزى الصراعات التي كانت تجري آنذاك بينهم وبين الإدارة الإستعمارية، كان مستوى النقاش السياسي يتجاوز حدود مداركي. لذا كان علي أن أتعلم بنفسي.
وجدتني وأنا بعد شاب يافع أدخل عالم السياسة من باب الإنتخابات. فقد شجعني والدي على المشاركة كمراقب في انتخابات 1947 التي جرت بعد مصادقة البرلمان الفرنسي على القانون الأساسي للجزائر الذي رفضته كل الأحزاب الوطنية. واختارني لأداء تلك المهمة معلم فرنسي كان يرأس مركز الإنتخابات في أولاد دياب لحثهم على التصويت على لوائح الحزب، وإفشال التزوير الذي كنا نخشى منه، كانت أول تجربة لي اكتشفت خلالها المبادئ الأولى للعمل الحزبي، وأهمها الدعاية السيا…

الملف : مصالي الحاج ، الزعيم الجزائري المظلوم

مصالي الحاج : أبو الأمة إنهالزعيم الوطني الكبير مصالي الذي أفنى حياته في السجون و المعتقلات والمنفى دفاعا عن الجزائر و الجزائريين و لكنه مات غريبا في فرنسا التي كافحها منذ العشرينيات والمأساة الكبرى تكمن في أنه مات محروما من الجنسية الجزائرية ، و حتى السلطات الجزائرية التي وافقت عند وفاته سنة 1973م على دفنه في الجزائر اشترطت أن يتم ذلك في صمت تام بعيدا عن كل الأضواء ولكن أبى أهله وأصدقاؤه إلا أن يكسروا جدار الخوف و استقبلوا جثمانه بحماس كبير مرددين نشيد حزب الشعب "فداء الجزائر" وسط زغاريد النسوة و في جو من الحسرة و الخشوع بأعين دامعة و قلوب تعتصرها الآلام . و قد ظل الحصار مضروبا على الرجل حتى و هو ميت في قبره إذ منعت السلطات كل من حاول تنظيم الندوات التي تتناول حياته و نضاله ، كما منع الترخيص بالنشاط لحزب الشعب الجزائري غداة إصدار قانون "الجمعيات ذات الطابع السياسي" سنة 1989م بسبب واه تمثل في " السلوك المضاد للثورة أثناء حرب التحرير" و هي تهمة تعني الخيانة للوطن رغم أن المؤرخين لم يثبتوها،وإنصافا لهذا الزعيم المظلوم نريد أن نميط اللثام عن بعض جوانب حياته ا…